موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الأربعاء، ١٠ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
الإنسانية الرائعة: بوصلة روحية أخلاقية في زمن الذكاءات الاصطناعية

إميل أمين :

 

في الخامس عشر من مايو/أيار الماضي، أصدر قداسة البابا لاون الرابع عشر وثيقة "الإنسانية الرائعة"، والتي تتناول موضوع "حماية الكرامة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي".

 

الرسالة البابوية، التي تقع في نحو 42 ألف كلمة، تحتاج إلى قراءة معمقة لكل سطر فيها، لا نظرة عابرة، لكن لا بأس من محاولة المرور، ولو في عجالة، على بعض من أفكارها العميقة، لا سيما أن الأمر موصول بقضية الساعة، وما تحمله هذه الثورة من تشعبات وتنازعات مع حياة ومستقبل الجنس البشري.

 

على أن التساؤل الذي يطرحه البعض: "هل من المهام الرعوية للحبر الأعظم الاهتمام بإشكالية هذا الوافد علينا من المجهول، والذي لا يمكن للمرء أن يحدد على وجه الدقة متى انفلش على هذا النحو، وبالقدر ذاته ما من فكر قادر على التنبؤ بمآلاته؟".

 

المؤكد أن الأمر، ومن غير أدنى شك، يقع في قلب دور الكنيسة، حارسة الإيمان، وحافظة كرامة الإنسان، ويكفي أن سيدها ومعلمها، حين أراد لنفسه وصفًا مختصرًا، لم يختر سوى "ابن الإنسان"، في ربط لا يغيب لمستقبل البشرية مع كينونته الإلهية.

 

والشاهد أنه منذ انعقاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، في ستينيات القرن الماضي، دأب البابوات على صياغة رسائلهم البابوية بأسلوب يدعو إلى مساءلة كل ما من شأنه أن يتصل بالنوازل المحدثة، بالضبط كما اهتم الأحبار العظام من قبل بالثورات التي تماست مع مستقبل البشرية، صناعية أو فكرية، عسكرية أو علمية، وفي جميعها كانت الدعوة إلى التعاون والحوار البنّاء هي الركيزة الرئيسية، وليس كأوامر فوقية صادرة من البابوية الرومانية الكاثوليكية.

 

في وثيقة "الإنسانية الرائعة"، يجسد أسلوب البابا لاون الرابع عشر في الكتابة النبرة والصوت نفسيهما، إذ تعبر كلماته عن رغبة في نقاش بنّاء، ومساهمات متواضعة مستمدة من تعاليم الكنيسة الاجتماعية.

 

يعنّ لنا بادئ ذي بدء أن نتساءل: "لمن يكتب البابا هذه الرسالة فائقة القيمة؟".

 

عند إصداره للرسالة قال البابا: "أدعو جميع أعضاء الكنيسة والبشرية، لنتعلم الإصغاء لبعضنا البعض، ولنتعاون في بناء مجتمع أكثر إنسانية وأخوة".

 

حديث الذكاء الاصطناعي، في حاضرات أيامنا، لم يعد صوت يرتفع فوق صوته، سلبًا وإيجابًا، مع وضد، حلمًا بمستقبل باهر، وخوفًا رهيبًا من الضد، وعليه تبدأ متاهة أشد قسوة من تلك التي فتحت مساقاتها، وهيأت مساراتها، الثورة الصناعية، والتي استدعت حضورًا فكريًا بابويًا تمثل في وثيقة "الشؤون الحديثة" Rerum Novarum لسعيد الذكر البابا لاون الثالث عشر، والصادرة عام 1891.

 

الوثيقة، وبدون تطويل ممل، تتمحور حول صعود الذكاء الاصطناعي، والتحديات الأخلاقية والروحية والاجتماعية، تلك التي يطرحها المجتمع الحديث.

 

في تصريحات البابا لاون الرابع عشر لمجمع الكرادلة، غداة انتخابه خليفة للقديس بطرس، قال: "الكنيسة تقدم للجميع تراثها في التعليم الاجتماعي، وذلك لمواجهة ثورة صناعية جديدة، تتمثل في تطورات الذكاء الاصطناعي، تلك التي تطرح تحديات جديدة من أجل الدفاع عن كرامة الإنسان والعدالة والعمل".

 

لا نخشى القول إن هناك من يسعى إلى تأليه تلك الذكاءات، وقد قال البعض إنها ستكون قادرة، في المدى الزمني المنظور وليس البعيد، على تقديم أنبياء (كذبة) جدد، ورفد العالم بكتب مقدسة (أبوكريفية) كنوازل لا قبل للبشرية بها من جانب آخر.

 

لكن لاون الرابع عشر يقول في رسالته: "إن ما يسمى بالذكاء الاصطناعي لا يخوض تجارب، ولا يملك جسدًا، كما أنه لا يشعر بالفرح والألم، ولا ينضج من خلال العلاقات، ولا يعرف معنى الحب أو العمل، الصداقة أو المسؤولية، من داخله.

 

ولأنه لا يمتلك ضميرًا أخلاقيًا، مبعثه روح الله التي نفخها في الإنسان يوم خلقه، لذا فإنه لا يميز بين الخير والشر، ولا يدرك المعنى الحقيقي للمواقف، كما لا يتحمل مسؤولية العواقب".

 

تبدو الدعوة الرئيسية للوثيقة، وكأنها تدور حول حتمية تحرير الذكاء الاصطناعي من المنطق الذي يحوله إلى أداة للهيمنة والإقصاء والموت، وهي الغايات التي تخدمها الأدوات الحديثة التي تبتكرها كبريات الشركات الفاعلة في هذا الإطار.

 

على سبيل المثال، يتوق قادة اليمين في وادي السيلكون في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية إلى اقتصاد تقلل فيه الذكاءات الاصطناعية من قيمة العمال ومهاراتهم، وتسلبهم قدرتهم على التفاوض، بل تنزع عنهم كرامتهم الشخصية، ويأملون في بناء تسلسل هرمي معتمد رقميًا، حيث يصبح الوصول إلى إنتاج المعرفة والمعلومات، مهما كانت معيبة أو وهمية، أمرًا متاحًا بسهولة عبر روبوتات الدردشة المدفوعة الأجر.

 

ومع ذلك يرحب أسقف روما في رسالته العامة بالتقنيات التي تخفف عن البشر أعباء المهام الشاقة والمتكررة والخطيرة، أو التي تقدم دعمًا ذكيًا للنشاط البشري.

 

لكنه يرفض النزعة الانقطاعية التكنولوجية التي يطمح إليها رجالات وادي السيلكون.

 

نقرأ في سطور الرسالة: "لا يمكن تبرير الخيارات التي تضحي بالوظائف بشكل منهجي بالسعي وراء الأرباح الأكثر، لأن الإنسان غاية في حد ذاته وليس وسيلة، ويجب أن يبقى النظام الاقتصادي خاضعًا لكرامة الإنسان والصالح العام"، داعيًا إلى اقتصاد يُعلي من شأن الكرامة.

 

الوثيقة زاخرة بالمشاهد التي تختلط فيها الأوضاع العالمية بالقضايا الأخلاقية، لا سيما في هذه الأوقات التي أطلق عليها المفكر الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي "أزمنة الوحوش"،  في ظل حالة غياب نظام عالمي.

 

حذر البابا لاون الرابع عشر في وثيقته من "تحالف التطرف الديني، والتعصب القائم على الهوية، مع سياسات اقتصادية غير عقلانية، بينما تلجأ السياسة في كثير من الأحيان إلى التضليل والسخرية من المعارضين، وتأجيج المخاوف والاستياء بشكل ممنهج".

 

هكذا يُنظر إلى التنوع بشكل متزايد على أنه تهديد، مما يغذي الرغبة في التملك، والإدارة من أجل الهيمنة، والطموحات التوسعية، وإساءة استخدام السلطة، والخوف من المختلفين، وبالتالي خلق بيئة يمكن أن تتطور فيها صراعات جديدة بشكل شبه خفي.

 

قراءة الوثيقة بعمق تظهر نقدًا عميقًا للأوليغارشيات التقنية، أي أصحاب كبريات شركات التكنولوجيا، الساعين فقط إلى تعظيم الأرباح، سواء في وادي السيلكون أو خارجه، وأيًا كان قطاعهم، مدنيًا أو عسكريًا.

 

الهدف الأعمق للرسالة البابوية أقل ودية بكثير مما خُيل لوسائل الإعلام أنها أدركته.

 

لم يسع البابا إلى بناء جسور مع شركات التكنولوجيا الأميركية بحد ذاتها، بل على العكس، فقد سعى نحو المتضررين من قراراتها، ومع القادرين على كبح جماحها، من آباء ومعلمين، ودبلوماسيين وباحثين، وقادة في المجتمع المدني ومسؤولين منتخبين، وحكومات ودول.

 

هنا يبدو واضحًا جدًا أن لاون الرابع عشر لا يكتفي بملاحظات سلبية، بل يسلط الضوء على مظالم واضحة وعلى المسؤولين عنها، وهناك تبدو قوة عصا الراعي واضحة وضوح الشمس في ضحاها.

 

من هذا المنطلق يمكننا القطع بأن تركيز الرسالة ينصب على المخاوف الماضية قدمًا من احتمالات انزلاق العالم الغربي نحو النزعة القومية الاستبدادية، وتحديدًا على جرائم وتجاوزات إدارة ترمب الثانية.

 

ولعلنا نحيد عن الصواب إن قلنا إن "الإنسانية الرائعة" تجيء بعيدة عن النظرة الأوغسطينية للبابا لاون الرابع عشر، والذي ينظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس كمشكلة تكنولوجية، بقدر ما يتعامل مع المشهد كمسألة أوغسطينية تتعلق بالحب.

 

قبل البابوية، كانت علامة الاستفهام التي تشغل بال الكاهن والأسقف فالكاردينال بريفوست: "ما الذي يدعم المجتمع الإنساني الأصيل؟"

 

نقرأ في تأمل كتبه بريفوست عام 2005 حول ما يعرف بالقيادة الخدمية الأوغسطينية، وصفه للمجتمع بأنه يقوم على "علاقة من المحبة الأخوية، والثقة المتبادلة"، وحدد بناء "الثقة الحقيقية" كأحد أكبر التحديات التي تواجه أي مجتمع.

 

في رسالته للدكتوراه حول "السلطة الأوغسطينية"، لاحظ بريفوست أن: "الحداثة بشرت بعصر جديد من النزعة الشخصانية"، ما يعني أن المشكلة ليست ارتباكًا تكنولوجيًا، بل هي تفكك العلاقات، وأن القضية المركزية لم تكن مجرد السلطة أو المؤسسات، بل ما إذا كانت هذه وتلك تدعم كرامة الإنسان والتواصل الحقيقي أم لا.

 

ما الذي ينشده لاون الرابع عشر بعمق في رسالته؟

 

في عصر يفضل السرعة والتجزئة، لا يزال الإنسان يتوق إلى تلقي الرعاية والتقدير من آذان صاغية، وكلمات طيبة من أفواه مباركة، وأيدٍ حانية من قلوب ضارعة خاشعة في محراب الرب.

 

وعلى الرغم من أن الثقافة الرقمية تضاعف الروابط، وتنتج فرصًا جديدة للتفاعل، إلا أن قلوب البشر تشعر بالجفاء وربما الجفاف، في عطش للتقارب الحقيقي الذي لا توفره أدوات التكنولوجيا الحديثة.

 

على مر العقود، وفي مختلف المجالات، يبقى هذا القلق ثابتًا بشكل ملحوظ، لذا لا يمكن السؤال عن جدوى التكنولوجيا، إذ يقر البابا بفوائدها، كما أنه لا يدعو إلى الانزواء في الحنين إلى الماضي أو رفض التقدم التكنولوجي بحد ذاته، بل يكمن السؤال فيما إذا كانت موجهة نحو ازدهار الأفراد، أم النظر إليهم كتروس في ماكينات الرأسمالية، ومعها يصبحون تدريجيًا منظمين وفقًا لمنطق الأنظمة، لا الأزمنة التي أرساها الرب منذ التكوين وفيه وبعده.

 

من سطور الوثيقة يبدو عالمنا في حاجة إلى أكثر من الحلول التكنولوجية، إنه يتطلب تكوين الأفراد، الأمر الذي يتم داخل مجتمعات حقيقية، حول الموائد، في الأفراح والأتراح، في الفصول الدراسية، في العائلات، وفي الرعايا، في رحلات الحج، كما في الصلاة الجماعية.

 

لن تصبح الذكاءات الاصطناعية أبدًا في يوم من الأيام "صديق منتصف الليل" (لوقا 11: 5-8)، وربما هذا ما يتوجب تعليمه لأولادنا وبناتنا، بل لعموم أسرنا التي باتت تأخذ من وسائل الدردشة الروبوتية صديقًا ومشيرًا، ناصحا وطبيبا.

 

تبدو المدارس أكثر من مجرد أماكن لنقل المعلومات، بل مجتمعات يتوجب أن يتعلم فيها الطلاب إمكانية أن يكون الازدهار الإنساني متجذرًا ليس فقط في التحصيل الدراسي، بل في التواصل والتفاعل.

 

يمكن القول، من غير تهوين أو تهويل، إن التحدي الحقيقي الذي تظهره وثيقة "الإنسانية الرائعة" لا يقتصر على مسألة الحفاظ على الذكاء البشري في عصر الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ربما يتمثل في مقاومة ما كان يخشاه ستيفان زفايغ، الكاتب والأديب النمساوي، قبل قرن تقريبًا، وهو التسطيح التدريجي للإنسان ليصبح شيئًا قابلًا للاستبدال والتنبؤ والنسيان.

 

في نهاية واحدة من حلقات برنامجه الشهير على شبكة ABC الأميركية، نظر المذيع الأميركي اللامع جيمي كيمبل إلى الكاميرا وقال: "لم يعد البابا لاون الرابع عشر شخصية دينية تعرفها طقوس الفاتيكان أو تقاليدها، بل بات شخصية نادرة في عالم منقسم، صوتًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الدين، أظهر شجاعة هائلة رغم هدوئه الظاهر، وأبدى تعاطفه واستعداده للحديث عن الحرب والمعاناة والكرامة الإنسانية، مما جعله أحد أقوى الشخصيات العامة في هذا الجيل".

 

هل من خلاصة؟

 

 حكما يقود لاون الرابع عشر الأوغسطيني الدعوة إلى مرحلة جديدة في حمل "عصا الرعاية"، ليكمل مسيرة بطرس الصخرة، التي عليها تأسست الكنيسة، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت 16: 18).