موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لقي ما لا يقل عن 38 شخصًا مصرعهم ونزح آلاف آخرون، إثر زلزال قوي بلغت شدته 7.7 درجات ضرب جزيرة فلوريس الإندونيسية فجر السبت 15 آب، مخلفًا أضرارًا واسعة وانهيارات أرضية وسقوط مبانٍ وإغلاق عدد من الطرق.
وفي الجزيرة ذات الحضور الكاثوليكي الكبير، تزامنت الكارثة مع استعداد المؤمنين للاحتفال بعيد انتقال السيدة العذراء مريم. وبينما ألغت إحدى الأبرشيات احتفالاتها المريمية تضامنًا مع الضحايا، تحوّل احتفال آخر إلى مشهد لافت من الإيمان والصمود، إذ قدّم 27 إكليريكيًا من رهبنة الكلمة الإلهي نذورهم الدائمة في الهواء الطلق بعدما جعل الزلزال كنيسة المعهد غير صالحة للاستخدام.
وبحسب الوكالة الإندونيسية للأرصاد الجوية والمناخ والجيوفيزياء، وقع الزلزال عند الساعة 5:58 صباحًا بالتوقيت المحلي، وكان مركزه على بعد نحو 30 كيلومترًا شمال شرقي مدينة مباي في مقاطعة نوسا تنغارا الشرقية.
ووقع الزلزال على امتداد أحد أنظمة الصدوع النشطة في المنطقة. وأُطلق تحذير من احتمال حدوث تسونامي، ما دفع سكان المناطق الساحلية إلى التوجه نحو الأماكن المرتفعة، قبل أن يُرفع التحذير لاحقًا. وحتى ساعات بعد الظهر، سجلت السلطات 31 هزة ارتدادية على الأقل.
وفي معهد ريتابيريت في سيكا، اضطر الإكليريكيون والكهنة والراهبات إلى مغادرة المبنى سريعًا مع اشتداد الهزات وإصابة أجزاء منه بأضرار. وأفادت تقارير محلية بأن أحد الكهنة أصيب بكسر في ساقه بعدما قفز من نافذة في الطابق الثاني أثناء الزلزال.
لكن مشهدًا آخر في معهد القديس بولس في ليداليرو أصبح واحدًا من أبرز الصور الكنسية في يوم الكارثة. كان 27 إكليريكيًا من رهبنة الكلمة الإلهي يستعدون صباح السبت لتقديم نذورهم الدائمة، في احتفال كان مقررًا داخل كنيسة المعهد تزامنًا مع عيد انتقال العذراء.
إلا أن الزلزال غيّر كل شيء.
فقد انهار جزء من سقف الكنيسة، ما جعل استخدامها غير آمن، كما لحقت أضرار بالقاعة التي أُعدّت لاستقبال المشاركين بعد القداس، وتناثر حطام السقف داخلها. وأمام هذا الواقع، تقرر نقل القداس إلى الساحة الخارجية أمام القاعة، تحت خيمة مؤقتة، وهو ما أتاح أيضًا للمشاركين البقاء في مكان مفتوح تحسبًا لهزات ارتدادية جديدة.
وكان من المقرر أن يبدأ القداس عند الساعة 8:30 صباحًا، لكنه أُرجئ ساعة كاملة لإتاحة الوقت لتقييم الأضرار وتأمين المكان وإجراء الترتيبات الضرورية. وخلال القداس نفسه لم تُسجّل هزة ارتدادية، رغم وقوع هزات أخرى قبله وبعده.
وعلى الرغم من الكارثة وحالة القلق التي كانت تعيشها الجزيرة، مضى الإكليريكيون الـ27 في قرارهم، وقدّموا نذورهم الرهبانية الدائمة، واضعين دعوتهم الرسولية بين يدي الله في وقت كان فيه أبناء فلوريس يواجهون الموت والفقدان والدمار.
وهكذا تحوّل الاحتفال، الذي كان مخططًا له بطريقة مختلفة تمامًا، إلى شهادة إيمان وثبات وسط المحنة. ورفعت الجماعة الصلاة من أجل الرهبان الجدد، كي يظلوا أمناء لدعوتهم والتزامهم الرسولي، كما صلّت من أجل سكان فلوريس، ولا سيما الجرحى وعائلات الضحايا ومن فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.
وبعد ساعات من وقوع الزلزال، أعلنت أبرشية لابوان باجو إلغاء ما تبقى من فعاليات مهرجان غولو كوي ماريا أسومبتا نوسانتارا 2026، بما في ذلك قداس الختام والحفل الموسيقي والعروض الثقافية. وأوضح المطران مكسيموس ريغوس أن القرار اتُّخذ استجابة للكارثة وحرصًا على سلامة المشاركين، مؤكدًا أن الأولوية أصبحت للوقوف إلى جانب المتضررين.
وقال: «اخترنا ألا نواصل الاحتفال، بل أن نقف معًا بتضامن ونرافق الذين يواجهون ظروفًا صعبة».
ودعا الأسقف المؤمنين إلى الحفاظ على الهدوء والالتزام بتعليمات السلطات المختصة، وتحويل الروح التي حملها المهرجان إلى أعمال ملموسة من الرحمة والتضامن. وأضاف: «قد يتوقف المهرجان، لكن روح الأخوّة والتضامن والاهتمام بالآخرين يجب أن تستمر».
ويقام مهرجان غولو كوي للسنة الخامسة، ويُعد من أبرز المناسبات الكاثوليكية والثقافية في شرق إندونيسيا. وحمل هذا العام شعار «نسير معًا، ونشفي الأرض»، وهو شعار اكتسب معنى مختلفًا بعد أن أفسحت الاحتفالات المخطط لها المجال أمام الصلاة ومساندة المنكوبين. كما أعاد الزلزال إلى ذاكرة سكان الجزيرة كارثة عام 1992، عندما ضرب زلزال وتسونامي فلوريس وأوديا بحياة نحو 2500 شخص.
وفي مختلف أنحاء الجزيرة، دعت الجماعات الكنسية إلى إعطاء الأولوية للسلامة والصلاة والتضامن مع المتضررين، بالتزامن مع استمرار عمليات الإنقاذ والإغاثة الإنسانية، فيما طلبت السلطات من السكان الابتعاد عن المباني المتضررة والبقاء على استعداد لاحتمال وقوع هزات ارتدادية أخرى.
وهكذا، جاء عيد انتقال العذراء هذا العام مختلفًا بالنسبة إلى كاثوليك فلوريس: احتفالات أُلغيت، وكنائس تضررت، ونذور رهبانية انتقلت إلى العراء؛ لكن وسط الخوف والدمار، بقيت الدعوة واحدة: الإيمان والثبات والوقوف إلى جانب المتألمين.