موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
حين نتحدث عن السردية الأردنية نبحث عادةً عن مصادرها في كتب التاريخ ووثائق الدولة وشهادات السياسيين ورجال العشائر والمؤرخين، لكن جزءاً مهماً من ذاكرة المجتمع بقي محفوظاً في أماكن أخرى، في البيوت والمدارس والجمعيات والكنائس وفي السجلات التي احتفظت بها هذه المؤسسات لعقود طويلة.
من هنا تبدو صورة الكنيسة في الرواية الأردنية بحاجة إلى قراءة مختلفة، فالكنيسة في الأردن لم تكن مجرد مؤسسة دينية تؤدي طقوسها داخل جدرانها فقط، بل كانت حاضرة في التعليم والعمل الاجتماعي وحياة المدن والقرى، وأسهمت في حفظ جانب من ذاكرة الناس وعلاقتهم بالمكان.
وقد يبدو هذا الدور أكبر من حجم الجماعة المسيحية من الناحية العددية، فالتقديرات الحديثة تضع المسيحيين في الأردن عند نحو من 1.5٪ إلى 2% من السكان مع اختلاف التقديرات بحسب الجهة والمنهج المستخدم ،لكن الأثر التاريخي لا يُقاس بالنسبة السكانية وحدها، أحياناً تكون جماعة صغيرة العدد جزءاً من تاريخ بلد أكبر بكثير من حجمها الديموغرافي.
ولعل مادبا تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، ففي كنيسة القديس جاورجيوس بقيت خريطة مادبا الفسيفسائية التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، وهي ليست مجرد قطعة فنية ذات قيمة دينية بل تعتبر وثيقةً بصرية تقدم صورة عن جغرافيا المنطقة في ذلك الزمن، وتضع أسماء مدن ومواقع وطرقاً وأنهاراً على أرضية فسيفسائية بقي جزء منها شاهداً حتى اليوم.
هنا تصبح الكنيسة أكثر من مكان للعبادة، إنها المكان الذي بقيت فيه وثيقة عن الأرض وهذا المعنى لا يتوقف عند مادبا، فجبل نيبو وأم الرصاص والمغطس وكنيسة العقبة الأثرية وغيرها من المواقع المسيحية الموجودة في الأردن ليست فصلاً أضيف إلى التاريخ الأردني من خارجه وإنما جزء من تاريخ المكان نفسه. وجودها يذكّرنا بأن الجغرافيا الأردنية حملت عبر القرون طبقات متراكمة من الحضارات والأديان والمجتمعات وأن المسيحية واحدة من هذه الطبقات التي لا يمكن فصلها عن تاريخ البلاد.
ومن المكان نصل إلى الإنسان ، فالكنيسة التي عاشت داخل المدن والقرى لم تبقَ بعيدة عن المجتمع. ومع مرور الزمن أصبح التعليم واحداً من أبرز مجالات حضورها، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود أكثر من مئة مدرسة بالإضافه إلى جامعات حديثة مرتبطة بالكنائس في الأردن، إلى جانب مؤسسات تقدم خدمات اجتماعية وإنسانية لفئات مختلفة من المجتمع.
وأهمية هذه المؤسسات لا تكمن في عددها فقط وإنما في أثرها المتراكم، فالمدرسة لا تدرس الطالب مناهجاً دراسية وحسب بل تساهم في تشكيل شخصيته وعلاقاته ونظرته إلى المجتمع، وعندما يتعلم فيها أردني مسلم أو مسيحي فإن أثرها يتجاوز الجماعة الدينية التي أنشأتها، فتصبح المدرسة جزءاً من تاريخ التعليم في الأردن ويصبح خريجوها جزءاً من قصتها أيضاً.
والشيء نفسه يمكن قوله عن العمل الاجتماعي، فالإنجيل يربط الإيمان بخدمة الإنسان كما يظهر في قول السيد المسيح "كنت جائعاً فأطعمتموني، كنت غريباً فآويتموني" (متى 25:35). وفي متى 5:13-14 تظهر دعوة أخرى للمسيحيين "أنتم ملح الأرض.. وأنتم نور العالم"، وبغض النظر عن الاختلاف في التفسير اللاهوتي فإن الفكرة الأساسية واضحة كعين الشمس حيث أن الإيمان لا يُقاس بما يحدث داخل الكنيسة فقط وإنما بما يتركه من أثر في حياة الناس و المجتمع .
وهذا الأثر الاجتماعي يقودنا إلى سؤال عن المواطنة، فالدستور الأردني ينص على المساواة بين الأردنيين أمام القانون وعدم التمييز بينهم في الحقوق والواجبات بسبب الدين، كما يكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية ضمن أحكام القانون والنظام العام، لكن المواطنة لا تعيش في النصوص وحدها بل يتوجب أن تظهر في الحياة اليومية، في المدرسة والعمل والحي والمؤسسة وفي شعور المواطن بأنه جزء من المكان الذي يعيش فيه لا مجرد فرد يحظى بالحماية القانونية.
من هذه الزاوية يصبح حضور الكنيسة في الأردن جزءاً من اختبار أوسع لفكرة الدولة والمجتمع والمواطنة، فالمسيحي الأردني لم يكن يعيش خارج القصة الوطنية وإنما داخلها، في المدينة والقرية والمدرسة والعمل والمؤسسة.
لكن هناك جانباً آخر من القصة ما زال أقل حضورا في الرواية الأردنية، إنه "الأرشيف". فداخل الكنائس والمؤسسات المرتبطة بها توجد سجلات قديمة للمواليد والزيجات والوفيات، وسجلات للمدارس والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والارساليات الرهبانية...إلخ قد تبدو هذه الوثائق للوهلة الأولى شؤوناً كنسية داخلية فقط، لكنها بالنسبة إلى الباحث يمكن أن تكون مادة مهمة لفهم المجتمع الأردني نفسه.
فاسم عائلة ما في سجل قديم ليس مجرد اسمٍ عادي فقد يخبرنا عن وجود هذه العائلة في قرية معينة أو عن انتقالها إلى مدينة أخرى أو عن تغير في التركيبة السكانية. وسجل مدرسةٍ قديم يمكن أن يكشف أسماء أجيال من الطلاب والمعلمين، بينما قد تساعد سجلات المؤسسات الاجتماعية في فهم ظروف الفقر أو المرض أو الهجرة أو اللجوء في فترات معينة ، ومتقدمته الكنيسة بمؤسساتها في تقديم بعض الخدمات مثل تمديد خطوط المياه في القرى أو إقامة المستوصفات والمستشفيات في مختلف المناطق و وفتح دور الرعاية لأيتام والمسنين أو حتى ما قدمته الكنيسة اللاتينية مؤخراً في تكفل علاج بعضاً من أطفال غزة المتضررين من الهرب الأخيرة .
وهنا تكمن أهمية الأرشيف الكنسي بالنسبة إلى السردية الأردنية ،إنه لا يحكي تاريخ الكنيسة فقط بل يحفظ جزءاً من تاريخ المجتمع الذي عاشت فيه.
ولهذا فإن التعامل مع هذه الوثائق باعتبارها أوراقاً دينية قديمة فقط يعني خسارة مادة تاريخية يمكن أن تضيف الكثير إلى فهمنا للمجتمع الأردني ،فالمطلوب ليس إخراج هذه السجلات من سياقها أو التعامل معها بلا ضوابط، وإنما حمايتها وفهرستها ورقمنتها ،ثم فتح المجال أمام الباحثين لدراستها وفق قواعد واضحة تحافظ على الخصوصية.
فالأرشيف الرسمي للدولة يقدم جانباً من القصة، بينما تقدم الوثائق الكنسية والعائلية والاجتماعية جوانب أخرى، وعندما تُقرأ هذه المصادر معاً تصبح الرواية التاريخية أكثر اتساعاً وأقل اعتماداً على مصدر واحد.
وربما تكون الخطوة المقبلة هي أن نذهب إلى ما هو أبعد من الاحتفاء بالمواقع والرموز، وأن نسأل عمّا يوجد في خزائن الكنائس من وثائق لم تُدرس بعد، وفي ذاكرة العائلات المسيحية من قصص لم تدخل كتب التاريخ وفي سجلات المدارس والمؤسسات من تفاصيل يمكن أن تساعد في فهم المجتمع الأردني خلال مراحل مختلفة من نشأته وتطوره.
فقد يكون هناك تاريخ قرى لم يُكتب بما يكفي، وتاريخ عائلات لم يوثق، وتاريخ مدارس ومؤسسات لم يأخذ حقه من البحث.
وعندها لن تكون الكنيسة مجرد شاهد على السردية الأردنية ، بل ستكون واحدة من المصادر التي تساعدنا على فهم كيف تشكلت هذه السردية ومن هم الأشخاص والمؤسسات والأماكن التي ساهمت في بنائها، لذا فإنني كمواطن اردني مسيحي أدعو الكنائس والجمعيات الكنسية بمختلف أطيافها والعائلات والعشائر المسيحية للمساهمة بفاعلية في هذا المشروع الوطني الكبير الا وهو "السردية الأردنية"، لنحافظ على جزءاً من تاريخ بلدنا من الاندثار، ولكي تعرف الاجيال القادمة مساهمة مسيحيي الاردن في بناء الدولة ودعم مسيرتها، وليعرفوا أيضاً اننا كمسيحيين أردنيين لم نكن يوماً على الهامش بل جزءاً راسخاً ومؤثراً في الحكاية الوطنية.