موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم يعد التباين بين الفاتيكان والولايات المتحدة مجرد اختلاف في وجهات النظر بل أصبح انعكاسًا لانقسام أعمق في فهم طبيعة السياسة نفسها: هل تُدار بمنطق القوة والمصلحة فقط أم أن للأخلاق دورًا حقيقيًا في صياغة القرار الدولي؟
الفاتيكان رغم صغر حجمه يتحرك كمرجعية أخلاقية عالمية تمثل أكثر من مليار كاثوليكي أي ما يمثل 17% من سكان العالم، فإن نفوذه لا يقوم على أدوات ضغط تقليدية بل على ما يمكن تسميته بالسلطة الرمزية أي القدرة على التأثير في الوعي العام وصياغة الخطاب الأخلاقي خصوصًا في القضايا المرتبطة بالحروب والهجرة والفقر. أما الولايات المتحدة فإنها تمثل نموذجًا صريحًا للبراغماتية السياسية حيث تُبنى القرارات على موازين القوة والأمن والمصلحة حتى ولو تعارضت مع الخطاب القيمي المعلن.
وهذا الاختلاف الكبير لا يبقى نظريًا في ملفات مثل الحرب في غزة أو النزاع في أوكرانيا بل يؤكد بوضوح بأن الفاتيكان يدعو إلى وقف العنف وحماية المدنيين بلغة أخلاقية عامة، بينما تتحرك واشنطن ضمن حسابات التحالفات والردع وتوازنات النفوذ. هنا، لا يكون الخلاف في الأهداف المعلنة فقط، بل في تعريف المصلحة نفسها فهل هي ما يحقق الاستقرار الفوري؟ أم ما ينسجم مع معايير العدالة على المدى الطويل؟
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل يملك الفاتيكان فعلاً قدرة تأثير تتجاوز الخطاب؟ الواقع يشير إلى حدود واضحة. فبينما ينجح في تشكيل رأي عام ضاغط يبقى موضوع فرض نتائج سياسية ملموسة صعباً ما لم تتقاطع دعواته مع مصالح القوى الكبرى ،بعبارة أخرى وأكثر صراحة هو ضمير حاضر… لكنه بلا أدوات إلزام أو إجبار. ومع ذلك لا يمكن التقليل من هذا الدور. فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من مراكز القوة، بل من إعادة تعريف الشرعية نفسها.
في النهاية العلاقة بين الفاتيكان وواشنطن ليست صدامًا مباشرًا بقدر ما هي شدّ دائم بين منطقين، منطق يرى العالم من زاوية القوة وآخر يحاول تقييده بمعايير أخلاقية. هذا التوتر لن يُحسم قريبًا، لكنه سيستمر في تشكيل ملامح النظام الدول، بين عالم يُدار بالوقائع وآخر يحاول ولو ببطء شديد أن يُعيد إدخال القيم إلى معادلة القرار.