موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لا تعتبر السيدة مريم العذراء في التقليد الكنسي مجرد شخصية تكمّل مشهد الميلاد بل هي نقطة تحوّل في فهم علاقة الله بالإنسان ،حضورها ليس زينة روحية بل نموذج ايماني فريد وهي مثال الإنسان الذي يفتح المجال بالكامل لمبادرة ألله دون مقاومة أو تشويه.
والإنجيل يقدّمها كصاحبة موقف لحظة البشارة تختصر كل شيء "ها أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك" (لوقا 1:38) هذه العبارة ليست طاعة سلبية بل فعل حرّ واعٍ يجعل منها النموذج الأوضح لما تسميه الكنيسة بالتعاون مع النعمة، فيتجاوز دورها البيولوجي إلى دور خلاصي ذلك بأن قبولها هو مساهمة في مسار الخلاص من خلال التجسد كمبادرة إلهية أولى، لا نتيجة قرار بشري إذ شكلت طاعتها استجابة حرة داخل خطة إلهية سابقة لا شرطاً يُلزم الله.
فالكنيسة لا ترفع مريم لأنها فوق البشر بل لأنها تمثل ما يمكن أن يصير عليه الإنسان حين يُعاد ترتيب إرادته وفق مشيئة الله، لذلك تدعوها الكنيسة بحواء الجديدة في مقابل حواء الأولى التي اختارت الاستقلال عن الله، فالأولى فتحت باب السقوط والثانية أسهمت في طريق الخلاص .
وفي المشهد الكنسي تستمر مريم كأم لا بالمعنى العاطفي السطحي بل كحضور مرافق لمسيرة الإيمان لكل مسيحي، فعند الصليب قال يسوع للتلميذ: "هذه أمك" (يوحنا 19:27) وهذا الإعلان لا يخص يوحنا فقط بل أسس لعلاقة روحية بين مريم والكنيسة كلها، فالأمومة هنا وظيفة روحية: من مرافقة وشفاعة وتوجيه نحو المسيح.
مريم العذراء ليست بديلاً عن المسيح وليست طريقاً مختصراً إلى الله لأن الطريق هو يسوع بحد ذاته "أنا الطريق والحياة" (يو 14: 6)، واللاهوت الكاثوليكي يكشف لنا أن مريم لا تحجب المسيح بل تكشفه ولا تأخذ مكانه بل تشير إليه باستمرار "مهما قال لكم فافعلوه" (يوحنا 2:5).
باختصار، مريم العذراء ليست فكرة تقوية موروثة بل تحقيق ملموس للإيمان في أقصى درجاته، فيها يظهر كيف يمكن للإنسان أن يدخل في شراكة حقيقية مع نعمة الله لذلك يبقى حضورها في الكنيسة مرجعاً حياً لفهم الإيمان كما يُراد له أن يكون.