موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر السبت، ٢٩ أغسطس / آب ٢٠٢٦
من مدينة البشر إلى أورشليم السماوية: السلام عند القديس أغسطينوس وبيتسابالا

بقلم: إيميليانو أوزيبي :

 

تكشف الرابطة بين بافيا والقدس، التي جرى الاحتفاء بها في 28 آب، يوم عيد القديس أغسطينوس، في ظل ذخائره، عن مسيرة روحية عميقة يلتقي فيها فكر أسقف هيبون القديس أغسطينوس مع رؤية الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا.

 

وفي وصوله إلى لومبارديا «من كنيسة القدس، من مدينة العليّة والقبر المقدس»، شدّد بطريرك القدس للاتين على أن المأساة الراهنة في الأرض المقدسة تكشف فشل كل منطق يقوم على القوة وحدها. وكما يذكّر القديس أغسطينوس، فإن «الحرب التي يخوضها الإنسان مع نفسه» (شرح المزمور 127، 16) تولّد انقسامات يستحيل علاجها ما لم تتم مواجهتها من جذورها.

 

 

السلام ليس مجرد غياب الصراع

 

السلام ليس مجرد غياب للنزاعات، ولا توازنًا هشًا يقوم على الخوف. وبالعودة إلى كتاب «مدينة الله»، يشير بيتسابالا إلى أن الانقسامات لا تفصل ببساطة بين معسكرين متقابلين، أحدهما للأخيار والآخر للأشرار، لأن «التناقضات موجودة داخل حياة كل جماعة».

 

فالإنسان يختبر حتمًا القلق الداخلي، إذ إن «قلب الإنسان لا يجد السلام لمجرد امتلاكه ما يرغب فيه، بل عندما يتعلّم ما الذي يستحق حقًا أن يرغب فيه». والله وحده «قادر على أن يملأ رغبة الإنسان».

 

 

سكينة النظام

 

يعرّف القديس أغسطينوس السلام بأنه «سكينة النظام» (مدينة الله 19، 13)، فالسلام الزمني يحقق الانسجام في الجسد والنفس والعلاقات المدنية. ومع ذلك، فإنه يبقى حتمًا «غير مأمون، وغير مستقر، ومتغيرًا وغير يقيني» (شرح المزمور 127، 16).

 

وعلى الرغم من ذلك، يبقى السلام أعظم خير أرضي نتوق إليه. وأمام الجراح التي تعبر الأرض المقدسة، يذكّر بيتسابالا بأن «لا انتصار لأحدنا على الآخر يمكنه أن يمنحنا السلام». فالانتصار الحقيقي يتبع منطق الفصح القائم على المجانية والبذل:Vicit enim in eis, qui vixit in eis –  «لقد انتصر فيهم ذاك الذي كان حيًا فيهم»، محوّلًا الانتقام إلى غفران.

 

 

نحو أورشليم السماوية

 

وإذ إن المؤمنين مدعوون إلى حفظ الرجاء، فإنهم يتطلعون إلى الكنيسة الأم في سفر أعمال الرسل، ليجدوا فيها النموذج الذي عاشه أغسطينوس نفسه، الراعي الذي لم يكلّ في زمن كانت فيه الإمبراطورية تتهاوى من حوله.

 

أما الغاية النهائية فتبقى أخروية: «صهيون تعني التأمل، وأورشليم تعني رؤية السلام» (شرح المزمور 134، 26). ومتعزّين بوعد المسيح بأنه «يترك لنا السلام في هذا العالم، وسيعطينا سلامه في الدهر الآتي» (شرح إنجيل يوحنا 77، 3)، نحن مدعوون إلى أن نصبح «رجالًا ونساءً بقلوب منفتحة»، متجهين نحو أورشليم السماوية.