موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
المونسنيور تونينو بيلو
في زمن يشهد عودة الحرب بقوة، وتنامي النزعة إلى التعويل على العنف وحده لحلّ النزاعات، يعود مثال المونسنيور تونينو بيلو ليشكّل نبوءة حيّة. ومن خلال المبادرات التي تطلقها المؤسسة التي تحمل اسمه، والتي بلغت اليوم النسخة الثالثة من «جائزة دون تونينو بيلو»، تتحول ذكرى تعاليمه إلى عمل ملموس، يبدأ من تربية الأجيال الشابة ويصل إلى دعم الذين يبذلون حياتهم اليوم من أجل السلام.
والمونسنيور أنطونيو بيلو، المعروف باسم دون تونينو بيلو (1935–1993)، هو أسقف إيطالي تولّى رئاسة حركة «باكس كريستي» في إيطاليا، ويُذكر خصوصًا لالتزامه إلى جانب الفقراء والمهمّشين والأشد ضعفًا، ودعوته إلى ما كان يسميه «كنيسة المئزر»، أي كنيسة فقيرة وبسيطة تضع نفسها في خدمة الآخرين. وكان شخصية ذات بُعد نبوي، دافع باستمرار عن اللاعنف والحوار والسلام، فيما تركت كتاباته أثرًا عميقًا في الروحانية والثقافة المعاصرتين.
في هذه المقابلة، يقودنا جانكارلو بيتشينّي، رئيس مؤسسة دون تونينو بيلو، إلى جوهر التزام يجمع بين العدالة والحوار والجرأة في اتخاذ المواقف، مؤكدًا أن رسالة دون تونينو لا تزال تخاطب ضمائرنا وترسم دروبًا للرجاء.
كيف وُلدت جائزة دون تونينو بيلو؟
وُلدت الجائزة عام 2019، ونحتفل هذا العام بنسختها الثالثة. وجاءت فكرتها انطلاقًا من الرغبة في اختيار شخصيات، على الساحة الدولية، تميّزت بشهادتها وبذلت حياتها في سبيل السلام، انطلاقًا من قناعة بأنه لا يمكن تحقيق أي قيم إنجيلية أخرى، بل حتى أي قيم إنسانية، من دون قيمة السلام. فلا يمكننا اليوم أن نتحدث عن الحياة أو التقدم أو غيرهما من القيم داخل سياقات تصبح فيها الحرب حدثًا للتدمير والهمجية الإنسانية. لذلك فإن أول قيمة ينبغي العمل من أجلها هي تعزيز السلام.
مَن الشخصيات التي مُنحت الجائزة في نسختيها الأولى والثانية، وما أسباب اختيارها؟
كان الأب لويجي تشوتّي أول شخص منحته المؤسسة الجائزة. ففي عام 2019، أقامت المؤسسة هذا الحدث في ميلانو، بالتعاون مع جمعية أبناء بوليا في ميلانو، وسط مشاركة واسعة من الشخصيات وأصدقاء المؤسسة. وأردنا من خلال اختياره إبراز الطريقة التي يجسّد بها الأب لويجي تشوتّي الوحدة بين السلام والعدالة، إذ لا سلام من دون عدالة.
لقد عرفت الأب لويجي قبل أن ألتقيه شخصيًا، لأن دون تونينو بيلو كان يتحدث عنه. وهو يدفع ثمن التزامه هذا بوحدة يومية؛ فالأب لويجي لا يتمتع فعليًا بحريته لأنه يعيش تحت الحراسة، ولا يستطيع سوى أصدقائه الأقربين أن يخففوا، ولو جزئيًا، من هذه الوحدة.
أما النسخة الثانية من الجائزة، فأقيمت في مبنى معهد «أونارمو» الإكليريكي السابق، حيث تلقّى دون تونينو تنشئته، والذي تحوّل منذ عام 2023 إلى سكن جامعي.
وفي نسخة عام 2023، وقع الاختيار على الكاردينال ماتيو زوبي لإبراز العلاقة بين السلام والحوار؛ لأن زوبي يقدم شهادة حيّة وجميلة، ودليلًا واضحًا على ضرورة بناء السلام من خلال الحوار، بين الدول والشعوب والأجيال. فمن خلال قيمة الحوار وحدها يمكننا الوصول إلى لقاء بين الحضارات بدلًا من صدامها.
في النسخة الثالثة، وقع الاختيار على الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين. لماذا؟
فكرنا في منح الكاردينال بيتسابالا النسخة الثالثة من الجائزة. وهذه المرة لن يكون مكان تسليمها بولونيا أو ميلانو أو مكانًا بعيدًا عن الأماكن المرتبطة بدون تونينو، بل في أليسانو، وتحديدًا عند قبر دون تونينو. إنه مكان يستطيع استقبال عدد كبير من الناس، مع إدراكنا أنه قد لا يكون كافيًا. لكنه مكان يتحدث بذاته ويحمل دلالة خاصة، لأن اللقاء ينبغي ألا يكون مجرد احتفال لتسليم جائزة، بل أيضًا لحظة صلاة.
فالصلاة من أجل غزة ومن أجل الأرض المقدسة واجب علينا جميعًا، وكذلك توجيه الاهتمام إلى هذه الأرض التي دفع فيها كثيرون، ولا يزالون يدفعون، حياتهم وكرامتهم ثمنًا لما يجري. ويكفي أن نفكر في جميع الأطفال الذين ماتوا، وفي الذين يعيشون من دون منزل أو دواء وغير ذلك. وهذا قبل أن يكون دافعًا مسيحيًا، هو دافع إنساني.
لقد اتخذ الكاردينال بيتسابالا موقفًا واضحًا؛ فقد ميّز بين مَن يمتلك السلاح ومَن لا يمتلكه، وبين مَن اجتاح ومَن تعرّض للاجتياح. لقد اختار أن يقف إلى جانب طرف، كما كان سيفعل دون تونينو، الذي وصف مريم بأنها «امرأة منحازة». وأعتقد أن هذا أمر أساسي، لأننا من دون ذلك لا نستطيع، داخل سياق تاريخي معين، أن نعطي المشكلة الراهنة أبعادها الصحيحة.
ما قيمة منح جائزة اليوم، في ظل هذا السياق الصعب؟
«الذاكرة هي حاضر الماضي»، كما كان يذكّر القديس أغسطينوس. نريد اليوم، في عالم نعيش فيه وكأننا أيتام بلا آباء، أن نستعيد ذكرى الآباء الذين أشاروا لنا إلى الطرق التي ينبغي أن نسلكها، ولكننا نريد أيضًا أن نتعرّف إلى «قديسين جدد».
والشخصيات الثلاث التي اخترناها تمثل ثلاثة أمثلة، ونجرؤ على القول إنهم قديسو حياتنا اليومية، أشخاص ينبغي الاقتداء بهم. إنهم أشبه بجسور بين السماء والأرض، وعلينا أن نسير على خطاهم في التزامهم من أجل السلام.
لم يكن المونسنيور تونينو بيلو يعتبر السلام مجرد غياب للحرب، بل شارك شخصيًا في مسيرات داخل مناطق النزاع. في ضوء الوضع العالمي الراهن، كيف تواصل المؤسسة التزامه ونهجه اللاعنفي والنبوي من أجل السلام؟
تعمل المؤسسة مع الأجيال الشابة من خلال مسارات تربوية لتعزيز اللاعنف، فنلتقي طلاب المدارس وكذلك المربين، في وقت أصبح فيه العنف حاضرًا في كل مكان.
يكفي أن ننظر إلى ما يحدث كل يوم في العلاقات الإنسانية بين الأفراد، وكذلك بين الجماعات والدول. لقد أصبحنا اليوم نمنح الحرب والعنف الكلمة الأخيرة في حل النزاعات، ونعتقد أن العنف هو الوسيلة التي ستحدد شكل النظام العالمي الجديد.
أما نحن، فنحن مقتنعون بأن ما يحدث ليس تنظيمًا جديدًا للعالم، بل هو تفكك في العلاقات بين الكائنات الحية. ولا أصفه حتى بأنه تفكك بين البشر، لأننا فقدنا إنسانيتنا في الطريق. علينا أن نستعيد إنسانيتنا وقدرتنا على النظر إلى الآخر، حتى نتمكن من قول «لا» للعنف ولكل شكل من أشكال نزع الإنسانية.
كان المونسنيور تونينو بيلو يرى أن البحر المتوسط يجب ألا يكون خندقًا أو حدودًا مسلحة، بل بحرًا للقاء والتبادل، أو ما كان يسميه «التعايش على مائدة الاختلافات». ما الخطوات الملموسة المطلوبة اليوم لتحويل البحر، الذي وصفه البعض بـ«الوحش»، إلى «بحرنا» من جديد؟
حاولنا إطلاق مبادرات بالتعاون مع جمعيات أخرى، من بينها مؤسسة دون ميلاني ومؤسسة بالدوتشي، بهدف إنشاء مسارات للتنشئة بالتعاون أيضًا مع جامعات أخرى في منطقة البحر المتوسط. وفي هذه الأيام ينطلق مشروع مهم يقوم على جمع جامعات البحر المتوسط، بهدف إنشاء مسارات للحوار والتنشئة والتوعية بالسلام والعيش المشترك
فنحن مقتنعون بأن جيلنا بدأ بالفعل يرى ملامح ما قد يكون عليه المستقبل، لأننا نقف اليوم أمام واقع جديد من النزاعات. والنزاعات لا تعرف حدودًا؛ إنها أوضاع تتجاوز في الواقع كل الحدود، ويمكن أن تتخذ أبعادًا عالمية إلى درجة قد تهدد مستقبل البشرية نفسها. ولذلك من الضروري وقف هذا المسار من خلال التربية على السلام.
المخيم الدولي الذي يُقام من 10 إلى 14 آب في سانتا ماريا دي ليوكا، في بوليا، سيجمع عددًا كبيرًا من الشباب للسير معًا على خطى المونسنيور أنطونيو بيلو. ما أبرز الصعوبات التي تواجه، في رأيك، تربية شباب اليوم؟
إن المخيم الدولي «ميثاق ليوكا» هو مبادرة للأبرشية، ولها بالتأكيد فضل مواصلة حمل رسالة الأسقف تونينو بيلو إلى قلوب الشباب. وتتابع المؤسسة هذا المسار الذي تقوده الأبرشية وتتعاون معه، وتسير إلى جانب الشباب وترافق المسيرة التي تنظمها الأبرشية من خلال المخيم الدولي.
إن «قضية» الشباب أساسية، لأننا نربي اليوم أجيالًا بلا تاريخ وبلا ذاكرة. ومن الصعب جدًا أن نسلّم الشباب تاريخًا، ولا سيما أن نقدمه لهم من خلال قراءة صحيحة، بعيدًا عن السرديات الأيديولوجية والمصطنعة التي يمكن أن تشوّه حقيقة الأشياء.
والتربية على السلام تعني أيضًا النظر إلى شعوب معينة ومنحها الكرامة التي تستحقها. لقد بنينا عالمنا على سنوات من الاستعمار والإمبريالية والاستغلال؛ وكانت إحدى النتائج أن هذه الشعوب بدأت ترحل بحثًا عن لقمة عيش، فيما نريد نحن أن نعيدها من حيث أتت. لذلك أقول إنه، بين الصعوبات الكثيرة التي نواجهها، هناك بالتأكيد صعوبة التربية على قراءة صحيحة للتاريخ والذاكرة، وهي نقطة انطلاق أساسية لبناء السلام.
أي كتاب للمونسنيور بيلو تنصح به الشباب وغير الشباب؟
أعتقد أن كتاب «حقيبة الباحث» (La bisaccia del cercatore)، الصادر عن دار Meridiana، كتاب راهن ومفيد. إنه نص يجمع أبعادًا متعددة: الالتزام المحلي مع الاحتفاظ بأفق عالمي؛ والعمل مع جميع أصحاب الإرادة الصالحة بصرف النظر عن إيمانهم؛ والبحث عن المعنى والبحث عن الله.
إنه كتاب يمكن للجميع قراءته، ويدعونا إلى التفكير في الأشخاص الذين نلتقيهم في مسيرتنا. علينا أن نجمع في حقيبتنا قصص رفاق الطريق وآلامهم وأفراحهم وجراحهم، وفي الوقت نفسه أن نتقاسم معهم ما نحمله نحن في حقيبتنا. علينا أن نصبح خبزًا مكسورًا ومبذولًا للآخرين، كما كان المونسنيور بيلو، ومعه كثيرون غيره من شهود السلام وأنبيائه.