موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ١٣ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
توسكانا والأرض المقدسة: مؤسسة يوحنا بولس الثاني ترسم المسار

إميليانو أوزيبي :

 

ثمة خيط رفيع لكنه متين يربط إقليم توسكانا الإيطالي بتراب وحجارة القدس وبيت لحم. علاقة بدأت عام 1997، عندما غيّر حج غير متوقع نظرة وقلب المونسنيور لوتشيانو جوفانيتي، أسقف فييزولي آنذاك، وحوّل تأثره إلى رؤية استشرافية. ومن تلك البذرة وُلدت، بعد عشر سنوات، مؤسسة يوحنا بولس الثاني.

 

واليوم، بعد ما يقارب عشرين عامًا على تأسيسها، تتطلع المؤسسة التي تتخذ من توسكانا مقرًا لها إلى المستقبل، وتختار ألا تدير ظهرها للشرق الأوسط، في وقت تشتعل فيه المنطقة تحت وطأة صراعات جيوسياسية مضطربة.

 

 

الحوار ضرورة حيوية

 

وفي فلورنسا، وخلال لقاء نظمته المؤسسة في 4 أيلول بمشاركة حارس الأراضي المقدسة الأب فرنشيسكو يلبو، قدّم رئيس المؤسسة مجموعة من الأفكار التي تساعد على الاهتداء وسط هذه المرحلة الصعبة من التاريخ؛ مرحلة ينبغي عيشها بقوة المسيحي الوديعة، وبإدراك أن التعاون والأخوّة ليسا ممارسة بيروقراطية، بل فعل محبة ملموسًا ويوميًا.

 

وقال رئيس المؤسسة داميانو بيتوني، في كلمته الافتتاحية: «إن حضوركم يشهد على الاهتمام والحساسية والقرب من أرض لا تزال تستنهض ضمائرنا، ومن الجماعات التي تعيش فيها». وأضفت شهادة الأب يلبو، بما حملته من خبرة حية وألم، عمقًا خاصًا على اللقاء. ووصفه بيتوني بأنه راعٍ «يعمل منذ أكثر من عام على الفهم والإصغاء والمرافقة في واقع معقد وجريح، واضعًا حراسة الأراضي المقدسة بصورة متزايدة في خدمة الجماعة المسيحية بأسرها».

 

إن حمل ثقل تاريخ أرض يسوع يتطلب تفانيًا شجاعًا، ولكن قبل كل شيء حضورًا منزوع السلاح. ومن هنا، رسمت كلمات الأب يلبو، إلى جانب المواقف الأخيرة لبطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا والنداءات الملحّة للبابا لاون الرابع عشر، معالم حاجة ملحّة: فالحوار ليس مجرد خيار دبلوماسي. وكما قال بيتسابالا، في كلمات استشهد بها بيتوني: «إنه ضرورة حيوية. من دون علاقة مع الديانات الأخرى لا مستقبل لنا. الحوار هو دعوتنا ومصيرنا».

 

 

التحذير من «ثقافة المشجعين المتعصبين»

 

غير أن النقاش العام اليوم يواجه خطر الانزلاق نحو أحد أسوأ المسارات.

 

فقد حذّر رئيس المؤسسة داميانو بيتوني من انتشار ما وصفه بـ«ثقافة المشجعين المتعصبين»، قائلاً: «يُستبدل التعقيد بمنطق التشجيع والانحياز. ويجري البحث عن الأخيار في جهة والأشرار في جهة أخرى. وتختفي الفروق الدقيقة، وتتقلص مساحة فهم الأسباب العميقة والدبلوماسية والحوار». وأضاف أن النتيجة هي أن الإنسان ينتهي به الأمر إلى مشاركة ألم فريقه وحده، متناسيًا أن «كل حياة بشرية تتمتع بالكرامة نفسها».

 

وفي مواجهة هذا التخدير اليومي للضمائر، تختار مؤسسة يوحنا بولس الثاني الطريق الصعب والمتطلب المتمثل في سلام منزوع السلاح ونازع للسلاح، مستلهمة في ذلك تعليم الكنيسة الاجتماعي. وتكشف الأرقام عن عمل لم يتوقف؛ إذ تنشط المؤسسة في 17 دولة، من خلال أكثر من 60 مشروعًا، وترافق أكثر من 20 ألف شخص سنويًا.

 

 

الحضور المسيحي لا يعتمد على المساعدات وحدها

 

وفي الوقت نفسه، تختار المؤسسة يوميًا العودة إلى جذورها ورسالتها الأصلية، القائمة على ركيزتين لا تنفصلان: «السلام والمحبة. رؤية لا تزال تدعونا إلى أن نقع في حب الأشخاص والجماعات والعلاقات التي نلتقيها على امتداد الطريق».

 

ولا يتعلق الأمر بمجرد تقديم المساعدات، بل بتعزيز التنمية الإنسانية المتكاملة، من خلال التربية والمسؤولية المشتركة، انطلاقًا من الوعي بأن «مستقبل الحضور المسيحي في الأرض المقدسة لن يعتمد فقط على المساعدات الاقتصادية، بل سيعتمد قبل كل شيء على القدرة على تغذية ودعم الشعور بالرسالة والدعوة والشهادة».

 

وإلى جانب ذلك، تُدعى المؤسسة في حياتها الداخلية إلى أن تعيش كجماعة، مع التركيز على الشفافية، وتعزيز العمل التطوعي المنتشر في مناطق توسكانا، وتطوير مسار ثقافي وفكري قادر على قراءة علامات الأزمنة والتفاعل معها.

 

 

الرجاء خلافًا لكل رجاء

 

فالرجاء، في نهاية المطاف، ليس شعورًا ساذجًا يتجاهل الحروب، بل هو فضيلة شجاعة لمن يعرف كيف يعبرها. وفي هذا السياق، استعاد المشاركون كلمات البابا لاون الرابع عشر: «بينما أنتم تَلِدون الحياة، هم يزرعون الموت، وبينما أنتم تمدّون أيديكم إلى الأخ، هم يبحثون عن أعداء ليسحقوهم، وبينما أنتم تنشؤون الحوار، هم يفضّلون الخطاب الأحادي».

 

إنه الرجاء نفسه الذي علّمه جورجيو لا بيرا في فلورنسا، عندما كان يدعو إلى الإيمان دائمًا وفق العبارة اللاتينية «Spes contra spem» – «الرجاء خلافًا لكل رجاء»، لمواصلة الرهان على كرامة الإنسان، المخلوق على صورة الله ومثاله، وعلى التعاون والحوار مع الجميع بوصفهما المستقبل الوحيد الممكن والضروري.