موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في ظل أجواء كأس العالم التي تجذب أنظار الملايين حول العالم، يبرز حضور الإيمان في الملاعب بشكل لافت. نرى لاعبين يرسمون علامة الصليب قبل دخولهم أرض الملعب، وآخرين يصلّون بحرارة قبل صافرة البداية، أو يقومون بطقوس شخصية يعتقدون أنها تجلب الحظ. هذا التداخل بين الروحي والرياضي يفتح دائمًا نقاشًا روحيًا ونفسيًا حول الحدود الفاصلة بين الصلاة والإيمان الحقيقي من جهة، والخرافة والبحث عن "الحظ" من جهة أخرى.
في هذا السياق، يقدّم مرشد ملعب برلين والشمّاس الكاثوليكي غريغور بيلين قراءة هادئة لهذه الظاهرة. يؤكد بيلين أن الصلاة في الرياضة هي تعبير أصيل عن الإيمان والاتكال على الله، لكنها ليست وسيلة سحرية لضمان الفوز أو تغيير نتيجة المباراة.
ويوضح أن الصلاة تمنح اللاعب قوة داخلية، وتساعده على التركيز العالي، وتعزز روح الجماعة بين الفريق، لكنها لا يمكن أن تحلّ محل التدريب والجهد البدني، مضيفًا: «الله قد يكون حاضرًا في كرة القدم، لكن الصلاة من أجل الفوز ليست هي الهدف الحقيقي».
ويشير بيلين إلى أن بعض اللاعبين يربطون نجاحهم أو فشلهم بطقوس معينة أو بركة تلقّوها، ما يكشف عن الخط الرفيع بين الإيمان الشخصي والخرافة الرياضية. وتزخر بطولات كرة القدم بنماذج لقمصان محظوظة أو تمائم كان يحملها اللاعبون والمدربون.
ورغم أن هذه الممارسات قد تمنح شعورًا نفسيًا بالأمان، إلا أنها لا تؤثر فعليًا على النتيجة. ويؤكد المرشد الروحي لملعب برلين أن «التدريب والالتزام هما ما يصنعان الفارق، وليس الرموز أو الطقوس». فجوهر الصلاة في الرياضة لا يتعلق بالنتيجة النهائية، بل بالبحث عن السلام الداخلي، والتركيز، والثقة بالمشيئة الإلهية، بغضّ النظر عن الخسارة أو الربح.
هذا التمييز بين الخرافة والإيمان يظهر أيضًا في مواقف بعض الرياضيين. فقد صرّح مدرب منتخب إسبانيا لويس دي لا فوينتي لوسائل الإعلام بأن رسمه لعلامة الصليب قبل المباريات ليس طقسًا لجلب الحظ، بل تعبير عن إيمانه الشخصي، مؤكدًا أن «بدون الله لا معنى للحياة». وهنا تصبح الصلاة تعبيرًا عن الاتكال على الله، لا طلبًا مباشرًا للنصر الرياضي.
قدّم البابا لاون الرابع عشر رؤية إنسانية وروحية للرياضة، مؤكدًا أن كرة القدم تحمل درسًا يتجاوز المنافسة والنتائج. وفي كلمته في كنيسة القديس أغسطينوس في برشلونة بتاريخ 10 حزيران 2026، قال قداسته: «كرة القدم تساعدنا أيضًا لنتذكّر شيئًا مهمًا جدًا: الحياة ليست سباقًا لنعيشها بطريقة فردية، بل لنلعبها كفريق، ويجب أن نتعلّم أن نركض معًا».
وأضاف: «من يستطيع أن يصير نجمًا لكنه لا يمرّر الكرة أبدًا، لا يسمح للآخرين بأن يدخلوا في اللعب، فغالبًا ما ينتهي به الأمر إلى الخسارة». بالتالي، فإنّ رؤية الأب الأقدس تلتقي مع فكرة أن الصلاة في الملاعب ليست طلبًا أنانيًا للفوز، بل تعبير عن روح الجماعة، والخدمة المتبادلة، والروح الرياضية الحقيقية.
إن حضور الله في الملاعب لا يُقاس بعدد الأهداف، بل بالقيم التي يعكسها الرياضيون من انضباط واحترام للخصم وروح الفريق. وكما شبّه القديس بولس الرسول الحياة الروحية بالسباق الرياضي قائلاً: «جاهدتُ جهادًا حسنًا وأتممتُ شوطي وحافظتُ على الإيمان» (2 طيمو 4: 7)، تبقى الصلاة في المستطيل الأخضر تذكيرًا بأن المواهب هي عطية، وأن الهدف الأسمى هو السلام الداخلي والنمو الإنساني، لا مجرد كأس يُرفع في نهاية البطولة.