موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٤ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
الكاردينال بيتسابالا في قداس سبت النور: لا تقفوا ساكنين أمام حجارة العالم

أبونا :

 

ترأّس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، قداس العشية الفصحية يوم سبت النور أمام القبر الفارغ في كنيسة القيامة. وفي عظته، جعل غبطته من «حجر القبر» محور التأمل الفصحي، بوصفه رمزًا للثقل الإنساني والتاريخي الذي يبدو مستحيل الإزاحة.

 

وأكد البطريرك أن الحجر على باب القبر ليس مجرد عنصر في الرواية، بل علامة على واقع الحرب والخوف والانكسار، وعلى كل ما يبدو مغلقًا أمام الرجاء. غير أن الإعلان الفصحي الأساسي هو أن الحجر قد دُحرج لا بقوة الإنسان، بل بقوة الله، حتى قبل أن يصل أحد، وفي الظلمة، كعلامة على أن الله يسبق الألم ولا ينتظر انتهاءه ليبدأ فعل الحياة.

 

ومن هذا المنطلق، يتحوّل الحجر من علامة إغلاق إلى علامة عبور: لم يعد رمزًا لنهاية مغلقة، بل لبداية مفتوحة، أي «عتبة» يدخل منها الرجاء. لذلك فإن سؤال «من يدحرج لنا الحجر؟» لا يُجاب عنه بالفعل البشري، بل بحدث القيامة نفسه الذي يكسر منطق العجز والخوف. وهكذا تصبح دعوة الفصح دعوة إلى مواجهة «حجارة القلب» أيضًا -حجر الاستسلام والشك وانعدام الثقة- والسير نحو حياة يُعلن فيها الحجر المدحرج أن ما كان مغلقًا قد فُتح إلى الأبد.

 

وقال: «هذه هي رسالة الفصح، هنا من القبر المقدّس: لا تقفوا ساكنين أمام حجارة العالم، بل لنصبح بقدر ما نستطيع ’حجارة حيّة‘، علامات مصالحة، وصنّاع رجاء، وشهودًا لحياة لم يعد الموت قادرًا على إطفائها». وختم البطريرك بيتسابالا عظته بالتحية الفصحية التقليدية: «المسيح قام. حقًا قام. هللويا!».

 

 

وفيما يلي النص الكامل للعظة:

 

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

 

تأخذنا العشية الفصحية المقدّسة هذه في مسيرة من الترقّب والرجاء، من الظلمة إلى النور. ليس بشكل مفاجئ، بل عبر حجّ طويل وصبور، تميّزه كلمة الله، والصمت، والنار، والماء. إن الفصح لا يبدأ بإعلان انتصار، بل بالإصغاء إلى قصة: قصة تواجه الموت لتصل إلى الحياة.

 

الأبواب ما تزال مغلقة. الصمت يكاد يكون مطلقًا، لا يقطعه سوى صوتٍ بعيد لما تزال الحرب تزرعه في هذه الأرض المقدسة المجروحة. ومع ذلك، هنا بالذات، في هذا المكان الذي سكن فيه الله الموت، ترتفع كلمة الله أعلى من أي صمت. وأقولها بوضوح: نحن أيضًا اليوم نحتفل بإيمانٍ هشّ، تمّ اختباره، وربما أنهكته التجارب… لكنه ما يزال واقفًا. ليس لأننا أقوياء، بل لأن أحدًا ما يحمينا هنا.

 

هنا، لم يُتَجنَّب الموت ولم يُخفَّف، بل وُوجِه حتى النهاية. لم يختر الله طريق الهروب، بل قرّر أن يدخل الحالة البشرية في أعمق حقيقتها، حاملاً كل أبعاد الوجود الإنساني، بما في ذلك ما نعيشه اليوم للأسف بشكل عنيف: الألم والموت. وقد فعل ذلك لا ليشرحه من بعيد، بل ليسكنه من الداخل.

 

قادتنا الليتورجيا الطويلة لكلمة الله التي سمعناها للتو عبر لحظات حاسمة في التاريخ: الخلق المنبثق من الفوضى: «قال الله: ليكن نور، فكان نور» (تك 1: 3). تجربة إبراهيم على جبل موريا، حيث يُمنع الأب من رفع سكينه ويرى كبشًا عالقًا في الشجيرات، في إشارة مسبقة إلى الحمل الحقيقي. ثم عبور البحر الأحمر: البحر المفتوح كطريق تحرير، لا كطريق هروب. كلمات التعزية من النبي إشعيا: «حجبتُ وجهي عنكِ لحظة، وبرأفة أبدية أرحمكِ» (إش 54: 8). الدعوة الشاملة: «أيها العطاش جميعًا، هلمّوا إلى المياه» (إش 55: 1). ثم صوت باروخ الذي يشير إلى الحكمة كطريق للحياة. وأخيرًا وعد حزقيال: «وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل في أحشائكم روحًا جديدة» (حز 36: 26). كل نص قادنا إلى هذه اللحظة، حيث يروي إنجيل متى: «فإذا زلزالٌ شديدٌ قد حدث. ذلك بأنّ ملاك الرب نزل من السماء وجاء إلى الحجر فدحرجه وجلس عليه» (مت 28: 2).

 

هذا المشهد ليس تفصيلًا سرديًا بسيطًا، بل هو قلب عبور يهز العالم كله: حجر يُزال لا بقوة بشرية، بل بقوة إلهية. وفي هذه اللحظة، يبدو أنه لا أحد قادر على دحرجة الحجارة عن قبور المعاناة التي تنبشها الحرب باستمرار. ومع ذلك، لهذا السبب بالذات، نصغي بإلحاح أكبر إلى سؤال النساء في قلوبهن: «من يدحرج لنا الحجر؟» (مر 16: 3). إنه ليس مجرد سؤال عملي، بل هو السؤال الذي يكمن في صميم كل بحث عن الرجاء عندما يبدو أنه لا يوجد ما يمكن فعله. إنه سعي من يحبون دون انتظار أجوبة فورية، ومن يقتربون من السرّ بثقة حتى حين يبدو الطريق غامضًا. اليوم، يُطرح هذا السؤال في كل الأرض المقدسة، ومن كل مكان في العالم مثخن بالعنف. والجواب ليس إعلانًا فارغًا، بل حدثًا حقيقيًا: لقد دُحرج الحجر. ليس بقوتنا، بل بقوة محبة الله التي هي أقوى من الموت.

 

أيها الإخوة والأخوات، إن سؤال «من يدحرج لنا الحجر؟» هنا اليوم ليس صدى بعيدًا للإنجيل، بل هو صرخة تنبع من بيوتنا، لأن حجارة قد أُعيد وضعها حولنا. ومع ذلك نحن هنا اليوم: في قبر فُتح مرة وإلى الأبد. ليس لأننا استطعنا رفع الحجر بقوتنا -نحن نعرف جيدًا كم نحن ضعفاء وخائفون- بل لأن أحدًا ما قد دحرجه قبلنا، من دون أن ينتظر أن نكون جاهزين، ومن دون أن يسأل إن كان لدينا إيمان كافٍ. لقد دُحرج الحجر بينما كان الظلام لا يزال قائمًا، حين لم يكن أحد يؤمن بعد بإمكانية ذلك. وهذه هي أول إعلان للفصح، هنا والآن: الله لا ينتظر انتهاء حروبنا ليبدأ بإعادة الحياة، بل يبدأ في الظلمة، في الصمت، في القبر الذي لا يزال مغلقًا.

 

في هذه العشية نحن أمام سؤال: هل ما زلنا نحاول دحرجة الحجارة التي تثقلنا وحدنا؟ أم نسمح له، الحيّ، أن يسبقنا؟ لأن الفصح ليس ثمرة جهودنا لتحقيق السلام، مهما بلغت ضرورتها، بل هو الأساس الذي يجعل كل جهد ممكنًا. إن كان القبر فارغًا، فلا شيء يبقى نهائيًا: لا أرض تبقى متنازعًا عليها إلى الأبد، ولا جرح يبقى عصيًا على الشفاء، ولا ذاكرة تبقى أسيرة للكراهية إلى الأبد. ليس لأن الأمر سهل -فنحن نعلم مدى صعوبته- بل لأن اتجاه التاريخ قد تغيّر. لم نعد نسير نحو الموت: من هذا القبر، أصبح الموت خلفنا. وحتى عندما توحي لنا الحرب بغير ذلك، فنحن من شهدنا دحرجة الحجر.

 

وإلى جانب ذلك الحجر، يبدو أن الإنجيل يُزيح حجرًا آخر: الخوف. فالكلمة الأولى للفصح بسيطة وقوية: «لا تخافوا» (راجع مت 28: 5). إنّ دخول هذا القبر الفارغ -حتى دون وجود حجّاجٍ مرافقين، وحيدين، وعلى الرغم من الحرب- يعني مواجهة سرّ الحياة التي تتجدّد. إن القبر الفارغ ليس فراغًا يمحو التاريخ. وهو لا يقول إن المعاناة غير موجودة أو إنها ستنتهي. جسد المسيح القائم، كما تذكّرنا الأناجيل، ليس خاليًا من علامات الآلام. لكن تلك الجراح ليست علامات هزيمة، بل هي ختم حياة انتصرت على الموت، لأنها حملته في داخلها. هذا هو قلب الفصح: الله لا يمحو تاريخنا، بل يجلّيه ويحوّله، بأن يدخله إلى النور.

 

تُذكّرنا ليتورجيا اليوم أن القيامة لا تدعونا إلى تجاهل الشر. بل تقول لنا إن الواقع نفسه يمكن أن يتبدّل بقوة الله. لقد جعل طريقًا حيث كان هناك جدار. وحيث كان حجرٌ لا يتزعزع، صار الآن عتبة.

 

تصبح أورشليم، المدينة المطبوعة بذكرى الموت، واالمثقلة اليوم بالكثير من الانقسامات، المكان الذي تُعلن فيه الحياة. ليست حياة مثالية بعيدة أو مُجرّدة روحيًا، بل الحياة الحقيقية: حياة الناس في بيوتهم، وفي علاقاتهم، وفي جماعاتهم. السؤال الذي تأمّله النبي حزقيال -«أترى تحيا هذه العظام؟» (حز 37: 3)- هو السؤال الذي نطرحه نحن أيضًا اليوم، ونحن ننظر إلى الخراب من حولنا وفي داخلنا. وجواب الإيمان في سرّ الفصح واضح: نعم، يمكنها أن تعود إلى الحياة من جديد. ليس لأن الله يقوم بسحرٍ عجائبي، بل لأنه أمين للحياة في أصدق تعبيراتها. ليست حياة بلا تناقضات، بل حياة قادرة على تجاوز التناقضات والخروج منها متغيّرة. وهذا بحدّ ذاته حكمٌ فصحيّ على التاريخ: إن للموت بشوكته (راجع 1 كور 15: 55) ليس هو السيد، ولا يسود.

 

يُعلن لنا إنجيل متى: «إنه يسبقكم إلى الجليل» (مت 28: 7). إنّ القائم من بين الأموات لا يدعونا إلى البقاء عند القبر، ولا يدعونا إلى النظر إلى الوراء. إنه يسير أمامنا على طريق حياتنا اليومية. إنّ الاحتفال بالفصح لا يعني مجرد تذكّر حدثٍ مضى، ولا الاختباء في مكانٍ مقدّس - ولا حتى في هذا المكان المقدّس. فالإيمان هو مسيرة تُعاش في الحياة الحقيقية، حيث نُدعى إلى أن نشهد للفصح كل يوم. الجليل هو البيت، والحيّ، والعمل، والمعاناة المشتركة. وفي أرضنا المقدسة، الجليل هو الشجاعة لنبدأ من جديد بالإيمان بأن طريقًا آخر ممكن. وإذا كان القائم من بين الأموات «يسبقنا»، فإن الرجاء ليس شعورًا، بل خطوة يجب اتخاذها. إنه انطلاق إلى الأمام.

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، نحن لا نُدعى إلى أن نترك وراءنا نصبًا تذكاريًا، بل إلى أن نحمل معنا علامة القبر الفارغ: علامة لا تنكر التاريخ، بل تفتحه على الرجاء. ودعوني أقول هذا: إن كان هناك اليوم "حجر" يمكننا حقًا أن ندحرجه، فهو ذاك الذي يثقل قلوبنا - حجر الاستسلام، والاستياء، وانعدام الثقة. إن الإنجيل لا يطلب منا أعمالًا خارقة، بل أن نحرس الحياة حتى في تفاصيلها الصغيرة. نحن مدعوون لا إلى إنكار الصليب، بل إلى تجليته، بحيث يصبح جزءًا من طريق الخلاص الذي يوحّدنا بحياة الله.

 

وهذه هي رسالة الفصح، هنا من القبر المقدّس: لا تقفوا ساكنين أمام حجارة العالم، بل لنصبح -بقدر ما نستطيع-«حجارة حيّة»، علامات مصالحة، وصنّاع رجاء، وشهودًا لحياة لم يعد الموت قادرًا على إطفائها. المسيح قام. حقًا قام. هللويا!