موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٣٠ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
الكاردينال بيتسابالا: غزة كارثة ولا تتركوا الأرض المقدسة وحدها

أبونا :

 

«هناك حاجة إلى التعاطف مع من لا يفكر مثلنا»: هذه واحدة من أقوى الرسائل التي وجّهها الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، من على خشبة مسرح «تِياترو سوسياليه» في بيرغامو، حيث مُنح يوم الاثنين 29 حزيران جائزة الحوار والسلام التي تمنحها مجلة الجغرافيا السياسية الإيطالية «ليميس».

 

وتأتي قوة هذه الرسالة أولًا لأنها تختصر جوهر التفكير الجيوسياسي، أي القدرة على وضع النفس مكان الآخر، لكنها تكتسب أهمية أكبر لأنها جاءت بعد سلسلة من القصص والشهادات التي بدت وكأنها تجعل مسألة فهم الآخر شبه مستحيل.

 

 

«غزة كارثة»

 

قال الكاردينال خلال حواره مع مدير مجلة «ليميس» لوتشو كاراشولو: «غزة كارثة». وتحدث عن زيارته إلى القطاع التي قام بها الأسبوع الماضي، يومي 22 و23 حزيران، برفقة ثيوفيلوس الثالث، بطريرك القدس للروم الأرثوذكس، قائلًا: «المدن سُوّيت بالأرض، دُمّرت، أُزيلت بالكامل. رفح لم تعد موجودة. أكثر ما يلفتني هو أننا نسير في طرق عشوائية، وسط الخيام، ومجاري الصرف الصحي. هنا يعيش سكان غزة. هناك أمر لا تنقله الصور وهو الروائح. ومن أكثر الآفات انتشارًا في هذه المرحلة الفئران، التي تعضّ الناس، وخاصة الأطفال. وغزة مليئة بالأطفال، تراهم في كل مكان، لكن بدلًا من الذهاب إلى المدرسة، يلعبون وهم متسخون قرب المجاري».

 

وأضاف بطريرك القدس للاتين أن الوضع لم يشهد تحسنًا حتى بعد وقف إطلاق النار، موضحًا: «إذا كان بعض الطعام يدخل اليوم، فإن كل شيء آخر تقريبًا ما زال ممنوعًا. المواد ذات الاستخدام المزدوج لا يمكن إدخالها. والمقصود بالاستخدام المزدوج حتى مقاعد المدارس، والأقلام، والدفاتر، والزجاج الذي تُصنع منه النوافذ».

 

وتابع: «نحن نريد إعادة فتح المدارس، لكن ينقصنا كل شيء تقريبًا. نحاول التعويض عبر إعادة تدوير قطع هنا وهناك. وما نحتاجه فورًا، كما قال لي العاملون في المجال الصحي، هو وجود أشخاص مدرّبين على التعامل مع الصدمات النفسية لدى الأطفال والأمهات. ستكون هذه مسألة تحتاج إلى معالجة دقيقة وحساسة. سأقولها بطريقة غير دبلوماسية: أشعر بألم كبير، ولا أستطيع أن أفهم».

 

 

الوضع في الأراضي المحتلة

 

وأشار البطريرك إلى أن الوضع في الضفة الغربية في دولة فلسطين لا يقل مأساوية، قائلًا: «لا وجود للقانون هناك، وإن وُجد فهو لا يخدم الفلسطينيين. المستوطنون الإسرائيليون يُسمح لهم بكل شيء. يقيمون نقاط تفتيش في كل مكان، يقطعون الأشجار، يمنعونك من زراعة الأرض، والاعتداءات والسرقات والإهانات أصبحت مشاهد يومية».

 

وأضاف أن هذه الأمور تتكرر لأنها غالبًا ما تبقى من دون عقاب: «كثيرًا ما نتصل بالجيش الإسرائيلي للتدخّل وتهدئة المستوطنين، لكن عندما يصلون يكون المستوطنون قد رحلوا، وكأن أحدًا أبلغهم مسبقًا، وفي النهاية ينتهي الأمر بالجيش إلى التعامل معنا نحن».

 

 

السعي من أجل الحوار والسلام

 

إنّ وصفه لغزة ككومة من الأنقاض، وللأطفال الذين يلعبون قرب المجاري ويتعرضون لعضّات الفئران، وكذلك للاعتداءات في الضفة الغربية، لم يتخلَّ بيتسابالا عن التأكيد على أهمية الحوار. وقال إن الحاجة إلى الحوار أصبحت أشد إلحاحًا اليوم، لأن «السابع من تشرين الأول حاضر بقوة في الوجدان اليهودي والإسرائيلي. ومنذ ذلك اليوم سقطت آخر التحفظات».

 

وأوضح أن إسرائيل اليوم «مزيج من تيارات وواقع متنوع»، حيث «يوجد فيها كل شيء، لكن عليّ أن أقول، وبكل أسف، إن الأكثر تشددًا هم العسكريون المنتمون إلى التيار الديني. من الصعب جدًا إقامة علاقة واضحة وهادئة معهم». وأشار إلى أن «التيارات الأكثر تطرفًا في المجتمع اليهودي ليست بعد أغلبية، لكنها تزداد دعمًا وتصبح أكثر تأثيرًا على المستوى السياسي، مع نتائج تؤدي إلى انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه».

 

 

كيف تتغير إسرائيل

 

وفي هذا السياق، أشار لوتشو كاراشولو إلى مفهوم الانقسام القبلي في المجتمع الإسرائيلي، الذي طرحه خصوصًا الرئيس الإسرائيلي السابق رؤوفين ريفلين عام 2015، لوصف مجتمع منقسم إلى أربع مجموعات ديموغرافية مختلفة تعيش بشكل متوازٍ، مع أنظمة تعليم منفصلة وأنماط حياة مختلفة: الصهاينة العلمانيون، واليهود القوميون المتدينون، والحريديم، والعرب الإسرائيليون.

 

وأوضح بيتسابالا بأن هذا الانقسام، إلى جانب الإحصاءات التي تُظهر تزايد أعداد الحريديم (اليهود المتشددين دينيًا الذين لا يعترفون بدولة إسرائيل)، «يغذي حالة من عدم اليقين داخل المجتمع الإسرائيلي، بالتوازي مع استمرار شعور إسرائيل بأنها محاصرة من الدول العربية. وهذا بدوره، يؤثر في خيارات إسرائيل».

 

وأشار إلى أن القدس نفسها تتغير: «في التركيبة السكانية، والجغرافيا، لكن خصوصًا في الحدود الداخلية والنفسية لسكانها. الطريقة التي يشعر بها الناس تجاه المدينة تتغير. حتى وقت قريب كانت البلدة القديمة في القدس مأهولة بشكل أساسي بالعرب، أما اليوم فأصبح من الطبيعي رؤية اليهود، حتى المتدينين منهم، في كل مكان».

 

وتابع: «السكان العرب ينمون بوتيرة أقل، والمكوّن المسيحي يتراجع. والسبب في ازدياد الصدامات مرتبط أيضًا بهذا الأمر: لأن الناس باتوا يلتقون أكثر وبسهولة أكبر. نحن نعيش الآن داخل فقاعات منفصلة». وأضاف أن المجتمع العربي في القدس خلال السنوات الماضية شارك قليلًا في التطورات السياسية في غزة والضفة الغربية، ليس بسبب غياب التضامن، بل بسبب القبضة العسكرية المشددة، وكذلك بهدف حماية ما تبقى من طابع القدس، قائلًا: «القلب كله هناك».

 

 

«نحن ننتمي إلى هذه الأرض»

 

ويعود الكاردينال بيتسابالا إلى جوهر الموضوع تحديدًا، بعد تحليلٍ دقيقٍ للديناميات السياسية والديموغرافية والعسكرية التي تؤثر على الأرض المقدسة. يقول: «لقد عانينا لسنوات من لغةٍ عنيفة وإقصائية، ومن فكرٍ مُهمَلٍ أصبح حاضرًا بقوةٍ تدريجيًا»، مُتفقًا مع البابا لاون الرابع عشر الذي حدد، في «أزمة الكلمة» تحديدًا، أحد أعمق جذور الصراعات الراهنة.

 

لذلك وجّه بطريرك القدس للاتين نداءه خصوصًا إلى الرأي العام ووسائل الإعلام: «الإعلام الذي يسعى إلى جعل الناس يفهمون هو أمر مهم. تحدثوا عن الأمر ولا تتبعوا الموضات. الصحف تتحدث عن الموضوع قليلًا ثم تتوقف».

 

وأضاف: «تلك الأرض تخصنا، بل بالأحرى: نحن ننتمي إلى تلك الأرض. الإسرائيليون يقولون لنا: لماذا لا تتحدثون أيضًا عن جنوب السودان؟ والجواب بسيط: لأن علاقتنا بجنوب السودان ليست كما هي علاقتنا بهذه الأرض».

 

وختم بالقول: «لا يجب أن نعزل أنفسنا. هناك حاجة إلى التعاطف، وإلى الفهم، والحوار، من دون إقامة حواجز جديدة. يجب أن تساعدونا على الخروج من ذلك البئر، وألا تتركونا داخله». وهو رجاء جعل الاستقبال الحار في بيرغامو هذه الرسالة إرثًا يتردد صداه، ومن القدس، عبر التزام ودور الكاردينال بيتسابالا، ينفتح على العالم.