موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لن يكون اللقاء المرتقب بين بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الثلاثاء 9 حزيران، مجرد موعد دبلوماسي عابر. ففي قصر الإليزيه، يلتقي صوت الأرض المقدسة بإحدى أبرز القوى السياسية في أوروبا، في لحظة مفصلية تتقاطع فيها التحديات التي تواجه المسيحيين الفلسطينيين مع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والسلام وحقوق الإنسان. ولذلك، تكتسب هذه المحطة أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، بوصفها فرصة لوضع مستقبل الوجود المسيحي الفلسطيني، ومعاناة الشعب الفلسطيني عمومًا، في صلب النقاش السياسي والأخلاقي الفرنسي.
وتتضمن زيارة الكاردينال بيتسابالا إلى فرنسا سلسلة من اللقاءات الرسمية والكنسية، غير أن اللقاء المرتقب مع الرئيس ماكرون يبقى محورها الأبرز، لما يحمله من دلالات سياسية وأخلاقية تتجاوز الإطار الكنسي إلى قضايا العدالة والسلام ومستقبل الحضور المسيحي في الأرض المقدسة.
بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين، تتجاوز هذه الزيارة أبعادها الدبلوماسية التقليدية. فهي تمثل فرصة نادرة لإيصال صوت جماعة مسيحية متجذرة في هذه الأرض منذ ألفي عام، لكنها تواجه اليوم تحديات وجودية غير مسبوقة. فمن القدس وبيت لحم والناصرة ورام الله والطيبة وسائر مدن وقرى الأرض المقدسة، ترتفع المخاوف من استمرار الهجرة وتراجع أعداد المسيحيين نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المتراكمة، ما يهدد بإفراغ الأرض التي شهدت ولادة المسيحية من جزء أصيل من أبنائها.
إن لقاء الكاردينال بيتسابالا بالرئيس ماكرون يمنح فرنسا فرصة للاستماع مباشرة إلى صوت الكنيسة الأم في القدس وإلى واقع المسيحيين الفلسطينيين الذين يكافحون من أجل البقاء في موطنهم التاريخي. فالقضية المطروحة ليست قضية أقلية تبحث عن امتيازات خاصة أو حماية استثنائية، بل قضية شعب يتطلع إلى العدالة والكرامة والسلام، ومجتمع مسيحي يسعى إلى الحفاظ على حضوره التاريخي في الأرض التي انطلقت منها رسالة المسيح إلى العالم.
إن القضية التي يحملها الكاردينال بيتسابالا إلى باريس تتجاوز هموم المسيحيين وحدهم، لتلامس جوهر القضية الفلسطينية وحقوق الإنسان في الأرض المقدسة. ومن هنا تكتسب هذه الزيارة أهميتها، لأنها تتيح نقل واقع الأرض المقدسة مباشرة إلى دوائر صنع القرار في دولة ما زالت تحتفظ بثقل سياسي وأخلاقي مؤثر على الساحة الدولية.
وهنا تبرز فرنسا بما تحمله من إرث تاريخي وسياسي خاص. فمنذ الثورة الفرنسية ارتبط اسمها بمبادئ الحرية والمساواة والأخوة، وهي مبادئ لم تبق محصورة داخل حدودها الوطنية، بل أصبحت جزءًا من الضمير الإنساني الحديث ومصدر إلهام للشعوب الساعية إلى الكرامة والعدالة. واليوم، ينظر كثير من المسيحيين الفلسطينيين إلى هذه المبادئ باعتبارها التزامًا أخلاقيًا يجب أن يجد ترجمته العملية في السياسات والمواقف الدولية.
فالحرية التي رفعتها فرنسا شعارًا عالميًا لا ينبغي أن تبقى مفهومًا نظريًا. إنها تعني في الواقع الفلسطيني الحق في الحياة الكريمة، وحرية الحركة، وحرية العبادة، وحق الإنسان في أن يعيش على أرضه دون خوف أو تمييز. وعندما يُحرم شعب من هذه الحقوق الأساسية، تصبح الحرية قضية إنسانية عالمية تستدعي موقفًا أخلاقيًا واضحًا من المجتمع الدولي.
أما المساواة، فهي الامتحان الحقيقي لمصداقية القانون الدولي. فالفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، يتطلعون إلى أن تُطبَّق عليهم المبادئ ذاتها التي يطالب بها العالم لسائر الشعوب. ومن موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن وقوة سياسية مؤثرة، تملك فرنسا القدرة على الإسهام في ترسيخ هذه المبادئ والدفاع عنها، بما يعزز فرص العدالة والاستقرار والسلام.
ويبقى مبدأ الأخوة، الذي يشكل أحد أعمدة الهوية الفرنسية الحديثة، دعوة إلى التضامن الفعلي مع الشعوب التي تواجه المعاناة والظلم. فبقاء المسيحيين الفلسطينيين في وطنهم ليس قضية تخص الكنائس وحدها، بل هو جزء من الحفاظ على التنوع الإنساني والثقافي والديني الذي ميّز الأرض المقدسة عبر القرون. وإذا كانت الأماكن المقدسة تُعد إرثًا عالميًا مشتركًا، فإن الجماعات المسيحية التي تعيش حولها وتحمل ذاكرتها التاريخية والروحية هي أيضًا جزء من هذا الإرث الذي يستحق الحماية والرعاية.
ومن قلب الإنجيل، يؤمن المسيحيون بأن العدالة هي الطريق إلى السلام، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ. ومن قلب التجربة الفرنسية الحديثة، يتذكر العالم أن قوة الأمم لا تُقاس بحجم نفوذها أو قدراتها العسكرية، بل بقدرتها على الدفاع عن الضعفاء وحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية. ولهذا فإن زيارة الكاردينال بيتسابالا إلى فرنسا تمثل فرصة لإعادة بناء جسر بين القيم التي ولدت في باريس والواقع الذي يعيشه أبناء الأرض المقدسة اليوم.
إن الرسالة التي يحملها المسيحيون الفلسطينيون إلى الرئيس ماكرون وإلى الشعب الفرنسي واضحة: نحن لا نطلب امتيازات خاصة، بل الحق في البقاء في وطننا، والحفاظ على حضورنا التاريخي، ومواصلة رسالتنا الروحية والوطنية في الأرض التي انطلقت منها المسيحية إلى العالم. ونأمل أن تجد مبادئ الحرية والمساواة والأخوة ترجمتها العملية في مواقف وسياسات تسهم في حماية الإنسان الفلسطيني وصون كرامته ومستقبله.
ويبقى السؤال المطروح أمام فرنسا غدًا، في قصر الإليزيه، سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد: هل ستظل وفية للمبادئ التي جعلتها منارة للحرية وحقوق الإنسان، وتجعل من هذه القيم التزامًا حيًا في الأرض المقدسة؟