موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ينبغي للتشريعات الرشيدة أن تشجّع الإبداع العلمي والتكنولوجي، وفي الوقت نفسه أن تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. كما ينبغي أن تحمي المستخدمين من الاستغلال، وتحافظ على الخصوصية الشخصية، وتضمن الشفافية في استخدام التقنيات الناشئة، وتكفل إسهامها في تعزيز المؤسسات الديمقراطية. هذا ما أكّده البابا لاون الرابع عشر، يوم الجمعة في الفاتيكان، خلال لقائه أعضاء الشبكة الدولية للمشرّعين الكاثوليك.
وفي معرض حديثه عن التشريعات، شدّد البابا على ضرورة وجود «أطر قانونية متينة، ورقابة مستقلة، ومستخدمين على دراية، ونظام سياسي لا يتخلى عن مسؤوليته». وأوضح أن هذه الرقابة يمكن أن تُمارَس على مستويات متعددة، محلية ووطنية ودولية، بما يتيح نقاشًا مفتوحًا حول الأطر الأخلاقية المرتبطة بالتقنيات الجديدة، وإخضاعها لمعايير مشتركة للعدالة الاجتماعية، بما يضمن ألا تفرض أيديولوجية واحدة أو مصلحة واحدة القيم المضمَّنة في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، نبّه البابا إلى أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من التبعية التكنولوجية، بحيث تصبح الدول الأكثر فقرًا أكثر اعتمادًا على الدول الأكثر ثراءً.
وقال البابا: «علينا أن نبقى يقظين في هذا الصدد، كي لا يتحول الابتكار إلى وسيلة أخرى للاستعمار الأيديولوجي أو الاقتصادي».
وأعرب عن أسفه إزاء ما وصفه بأشكال خفية من الهيمنة، تظهر عندما تقرر الخوارزميات مَن يُرى ومَن يبقى غير مرئي، وعندما تشكّل المنصات الرقمية الخطاب العام من دون مساءلة، وعندما تُخضع كرامة العمال لمنطق تحسين أداء الأنظمة.
وحذّر البابا لاون الرابع عشر من أن مثل هذه التطورات تكشف «وجهًا جديدًا للإغراء القديم بالهيمنة والسيطرة من دون خدمة».
وفي مواجهة ثقافة القوة هذه، أشار البابا إلى أن الكنيسة تقترح «حضارة المحبة»، وقال إن العائلة، في مثل هذا المجتمع، ينبغي أن تكون «المدرسة الأولى للإنسانية». وأوضح: «ففي العائلة نتعلّم أولًا الثقة قبل الحسابات، والسخاء قبل المنافسة، والحوار قبل الانقسام، والمحبة قبل السلطة».
وانطلاقًا من ذلك، شدّد على أنه لا يجوز السماح للذكاء الاصطناعي بأن يقوّض هذه الخلية الأساسية للمجتمع، سواء من خلال اختزال الأشخاص والعلاقات إلى بيانات ومحاكاة، أو إغراق عقول الشباب بمحتوى يشوّه الرغبات، أو من خلال نماذج اقتصادية تجعل الحياة العائلية أكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية.
وقال البابا: «لهذا السبب، أشجّعكم على تعزيز السياسات التي تدعم الزواج والعائلات، وتساند الوالدين في رسالتهم التربوية، وتمكّن الشباب من التطلع إلى المستقبل بثقة».
وأضاف مخاطبًا المشرّعين: «أيها الأصدقاء الأعزاء، العالم لا يحتاج إلى ذكاء اصطناعي ينتقص من إنسانيتنا؛ بل يحتاج إلى ذكاء بشري تنيره الحكمة، وسلطة سياسية يهديها الضمير، وابتكار تكنولوجي توجّهه المحبة».
وأكد أن الذكاء الاصطناعي، عندها فقط، لن يصبح منافسًا للإنسانية، بل خادمًا للخير العام. وفي ختام كلمته، أعرب البابا لاون الرابع عشر عن صلاته لكي تثمر مداولات الشبكة الدولية للمشرّعين الكاثوليك ثمارًا وافرة لبلدان أعضائها وللعائلة البشرية بأسرها.