موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كشف متحف معبر الحضارات، بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، خلال فعالية ثقافية أقيمت في دبي، عن مخطوط طقسي يعود تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين العاشر والخامس عشر. ويتميّز هذا المخطوط ليس فقط بقدمه، بل أيضًا بأهميته الدينية والثقافية العميقة.
ومخطوط «الأنتيفونات المودخري» (Mudéjar Antiphonary) هو كتاب طقسي يُستخدم في الصلاة الجماعية داخل الأديرة والكاتدرائيات، ويعود إلى الحياة الرهبانية في العصور الوسطى، حيث يجمع الأناشيد والردّات والترانيم الروحية، وغالبًا ما يستند إلى الكتاب المقدس، ولا سيما المزامير، ليشكّل جزءًا من إيقاع الصلاة اليومية في الحياة المسيحية حتى اليوم.
وتعود أصول هذا المخطوط إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وتحديدًا إلى البرتغال أو جنوب إسبانيا، وهي منطقة اتسم تاريخها بتعايش المسيحيين والمسلمين واليهود. وقد انعكس هذا السياق في الطابع المميّز للمخطوط، إذ إنه نص طقسي مسيحي مزدان بعناصر فنية مستوحاة من الثقافة العربية الإسلامية. ويتضمّن المخطوط الدورة الطقسية الممتدة من زمن المجيء إلى ميلاد الرب، وصولًا إلى زمن الصوم وأحد الشعانين، ما يعكس مسارًا لاهوتيًا وروحيًا يتمحور حول المسيح باعتباره معنى التاريخ.
وخلال مشاركته في الفعالية، أشار المطران باولو مارتينيلي، النائب الرسولي لجنوب شبه الجزيرة العربية، في كلمته إلى أن «المخطوط لا يمثل شكلاً من التوفيق الديني، بل نقطة التقاء مثمرة بين الحضارات، وهو موضوع شديد الأهمية في زمننا الحاضر».
من جهته، أكّد أحمد عبيد المنصوري، رئيس متحف ملتقى الحضارات، في كلمته الافتتاحية أن «اليوم نحن لا نقدّم مجرد مخطوط، بل نقدّم شاهدًا حيًا». وأوضح أن هذا المخطوط يعكس تقليدًا فكريًا أوسع تشكّل من التفاعل بين العلماء المسلمين والمسيحيين واليهود، حيث كان العلم يُتبادل ويُترجم ويتطوّر، مضيفًا: «هذا ليس تاريخًا مثاليًا، بل واقعًا موثقًا».
وربط كل من المطران مارتينيلي والمنصوري بين هذا الإرث التاريخي والواقع المعاصر في دولة الإمارات، حيث قال الأسقف: «هذا المخطوط يذكّر مباشرة بالإمارات، دولة لها هوية دينية واضحة وتقاليد راسخة، وفي الوقت نفسه مكان تتعايش فيه الأديان وتلتقي فيه الثقافات». أما المنصوري فأكد أن «الحضارات لا تنمو في عزلة، بل تنمو عبر اللقاء»، مشيرًا إلى أن وجود هذه المخطوطة في الإمارات يعكس التزامًا حيًّا بالانفتاح والتعايش، حيث يتحول التنوع إلى مصدر غنى.
واختُتم الحدث بالتأكيد على أن هذا العمل التاريخي يجسّد كيف يمكن للإيمان والجمال الفني والتفاعل الثقافي أن يلتقوا في تجربة واحدة، ليشكّلوا علامة قوية على الحوار والتراث المشترك عبر العصور، وأن هذا المخطوط لا يتحدث عن الماضي فقط، بل عن إمكانات الحاضر والمستقبل.