موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
حوار أديان
نشر الأربعاء، ١ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
العبادة وتمجيد الله

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

إنّ الإنسان، ليس مجرد كائن اجتماعي أو ثقافي، بل هو قبل كل شيء كائن مخلوق على صورة الله ومثاله، يحمل في أعماقه توقاً أصيلاً إلى الحقيقة والخير والجمال. ومن هذا التوق تنبع الصلاة، باعتبارها أعمق تعبير عن علاقة الإنسان بخالقه، وأسمى ممارسة لحرية الروح. وإنّ أعظم ما يملكه الإنسان هو تلك الشرارة الإلهية المزروعة في قلبه، والتي تدفعه إلى رفع عينيه نحو السماء، طالباً النور والرحمة والسلام. والصلاة ليست امتيازاً يُمنح، ولا حقاً يُقاس بحدود أو قيود، بل هي تنفّس الروح ولقاء القلب مع خالقه.

 

إنّ حرية الصلاة هي أسمى تعبير عن كرامة الإنسان، لأن من يُمنع من الصلاة يُمنع من أن يكون نفسه، ويُمنع من أن يعبّر عن أعمق ما في داخله. ولذلك، فإن الدفاع عن حرية العبادة ليس دفاعاً عن طائفة أو جماعة، بل هو دفاع عن الإنسانية نفسها. نحن نؤمن بأن الله يسمع كل قلب صادق، سواء صلّى في كنيسة أو مسجد أو بيت متواضع أو في صمت داخلي لا يسمعه أحد. فالله لا يحتاج إلى جدران، بل إلى قلوب مفتوحة. ولا يحتاج إلى أماكن واسعة، بل إلى نفوس تتوق إليه. إنّ العالم اليوم، بكل ما يحمله من اضطرابات وخوف وانقسام، يحتاج إلى رجال ونساء يقفون بثبات ويقولون: حرية الصلاة ليست هدية من أحد، بل هي حقّ من الله، ولا يحقّ لأحد أن ينتزعه.

 

إنّ حرية الصلاة هي مسألة إنسانية وأخلاقية. فحين يُمنع الإنسان من الصلاة، يُمنع من ممارسة أعمق أشكال التعبير عن ذاته. وحين تُقيَّد العبادة، يُصاب المجتمع كله بجرح في ضميره، لأن الاعتداء على حرية الروح هو اعتداء على كرامة الإنسان. وتؤكد التعاليم الكنسية الحديثة أن حرية العبادة لا تنفصل عن حرية الضمير، ولا عن حقّ كل إنسان في البحث عن الحقيقة. فالصلاة ليست فعلاً فردياً فقط، بل هي أيضاً مساهمة في بناء الخير العام، لأنها تُنقّي القلب وتفتح الإنسان على قيم الرحمة والعدل والسلام.

 

نحن مدعوون إلى أن نكون شهوداً للسلام، لا بالصوت العالي، بل بالثبات الهادئ. مدعوون إلى أن نرفع صلواتنا من أجل كل إنسان، مهما كان دينه أو لغته أو وطنه، لأن الله هو ربّ الجميع، ورحمته تشمل الجميع. ولذلك، فلنحمل في قلوبنا هذا اليقين: أنّ كل صلاة تُرفع بصدق تصل إلى السماء، وأنّ كل تسبيح يخرج من قلب مؤمن يملأ الأرض نوراً، وأنّ كل إنسان يطلب الله بصدق هو أخ لنا في الإنسانية. فلنثبت في الإيمان، ولنرفع صلواتنا بلا خوف، ولنعلن أن الله يستحق المجد من كل قلب، في كل زمان، وفي كل مكان.

 

لذلك، تُعدّ حرية العبادة إحدى الركائز الأساسية لكرامة الإنسان، وهي حقّ أصيل لا يُمنح من سلطة بشرية، بل ينبع من حقيقة أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله. إنّ القدرة على التوجّه إلى الله بحرية، والصلاة له، وتمجيد اسمه، ليست مجرد ممارسة دينية، بل هي تعبير عميق عن هوية الإنسان الروحية وعمق وجوده.

 

وقد أكّد البابا بندكتس السادس عشر أنّ حرية الدين هيجوهر الحرية الإنسانية، لأنها تمسّ العلاقة المباشرة بين الإنسان والله، وهي علاقة لا يمكن لأي سلطة أن تتدخل فيها أو تحدّ منها. ويرى بندكتس أنّ المجتمع الذي يحترم حرية العبادة هو مجتمع يعترف بأن الإنسان ليس ملكاً للدولة، بل هو كائن ذو كرامة متعالية، تتجاوز كل بنى سياسية أو اجتماعية.

 

أما البابا فرنسيس، فقد شدّد على أن حرية العبادة ليست امتيازاً لفئة دون أخرى، بل هي حقّ عالمي، قائلاً إنّ “كل إنسان مدعوّ إلى أن يرفع قلبه إلى الله بحسب قناعته وضميره”. ويرى فرنسيس أنّ الصلاة ليست فقط حقاً فردياً، بل هي أيضاً قوة روحية تُسهم في بناء عالم أكثر عدلاً ورحمة، لأنها تغيّر القلوب، والقلوب تغيّر التاريخ. لأن المجتمعات التي تُحترم فيها المعتقدات تُصبح أكثر قدرة على بناء جسور الحوار والتفاهم.

 

إنّ الدفاع عن حرية العبادة هو دفاع عن الإنسان، وعن قدرته على أن يقف أمام الله بلا خوف، وأن يرفع صوته بالتسبيح والشكر. وهو أيضاً دفاع عن التنوع الديني الذي يُغني المجتمعات ويجعلها أكثر إنسانية.

 

وفي عالم يشهد توترات وصراعات، تصبح حرية الصلاة علامة رجاء. فحين يرفع المؤمنون صلواتهم، يعلنون أن الله أكبر من كل حدود، وأن نور الإيمان لا يمكن إطفاؤه. وكما قال البابا فرنسيس: “الصلاة هي قوة تُغيّر التاريخ، لأنها تغيّر القلوب”.

 

ختاماً، إنّ حرية العبادة ليست مطلباً سياسياً، بل هي نداء روحي وأخلاقي، ينبع من حقيقة الإنسان ككائن مخلوق لله، مدعوّ إلى لقائه، وإلى تمجيد اسمه، وإلى السير في نور الحقّ والمحبة. وهي مسؤولية مشتركة بين الدول والمؤسسات الدينية والمجتمعات، لضمان أن يبقى لكل إنسان الحقّ في أن يعبد الله بحرية، وأن يعيش إيمانه بكرامة كاملة، وأن يشارك في بناء عالم أكثر إنسانية وسلاماً.