موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأب جوزيف منير، كان قبطي كاثوليكي حاصل على الماجستير في اللاهوت العقائدي من الجامعة الغريغورية الحبرية
اتّخذَ البابا لاون الرّابع عشر شعارًا متأثرًا بالقدّيس أغسطينوس «في الواحد نكون واحد» (IN ILLO UNO UNUM)، كما عبّر العديد من اللاّهوتيّين عن أهميّة المسكونيَّة قائلين: «إنَّ أعظم ما يميّز الكنيسة في القرن العشرين هو المسكونيَّة».
لقد أوصانا يسوع المسيح في صلاته الكهنوتيَّة الوداعيَّة بالوحدة بعضنا بعضًا: «ليكونوا واحدًا كما نحن [...] ليكون الجميع واحدًا، كما أنَّكَ أنتَ أيُّها الآب فيَّ وأنا فيكَ، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليؤمن العالم أنَّكَ أرسلتني [...] وأنا قد أعطيتهم المجد الّذي أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما أنَّنا نحن واحدٌ. أنا فيهم وأنتَ فيَّ ليكونوا مُكمّلين إلى واحدٍ» (يو١٧: ١١، ٢١-٢٣). من هذا المنطلق الإنجيليِّ يتّضح لنا الآتي:
١. وصيّة الشّخص قبل موته تمثّل أهم الأمور الّتي يتمنى تحقيقها من قبل أبنائه، وهنا يُوصي يسوع تلاميذه وكنيسته بأهم الأمور الجوهريَّة وهي الوحدة والمحبَّة بعضهم بعضًا.
٢. الوحدة المنشودة بين المسيحيّين هي على مثال وحدة الابن بالآب (داخل الثّالوث)، ورباط الوحدة هو الرّوح القدس.
٣. وحدة الكنيسة هي علامة إيمان للعالم، وشهادة حقيقيَّة لإتباع المسيح وسط عالم مضطرب.
٤. يسوع يمنح كنيسته المجد، الذّي يؤهلها لتصبحَ كنيسةً واحدةً.
هذا يجعلنا نتساءل: ما هي الوحدة المنشودة بين الكنائس والمسيحيّين؟ هل هي وحدة الرّئاسة أم وحدة الإيمان والتّعليم أم وحدة اللّيتورجيا أم وحدة القلب والفكر؟ أم هي مجرد سعي دون إرادة حقيقيَّة لتحقيق هذه الوحدة؟ إلى أي مدى تأخذ كنيسة اليوم وصيّة الوحدة على محمل الجد؟ إذا كانت الوحدة هي وصيّة المسيح قبل إتمامه للخلاص: هل هي أمنية المسيحيّين اليوم وموضع اهتمامهم؟ ماذا فعلت الكنيسة بتاريخها العريق خلال ٢١ قرنًا في سبيل الوحدة؟
· الوحدة هي الأصل والمبدأ، صفةٌ مرادفةٌ للخلق؛ فالله الإله الأوحد خلقَ الإنسان واحدًا: «فخلقَ الله الإنسان [...] ذكرًا وأنثى» (تك١: ٢٧). وحدة الأصل البشريّ، وحدة العائلة. إنَّ أصل الكنيسة والبشريَّة واحدٌ، وحدة الخليقة تمهّد لوحدة الكنيسة.
· (تك٣) بالخطيئة عرف الإنسان الانقسام على ذاته فلم يعد هناك تناغم وانسجام داخليّ، وعلى الله حيثُ تشوّهت العلاقة بين الإنسان وربّه، وعلى أخيه الإنسان فقد قتلَ قايين هابيل.
· (تك١١: ١-٩) مشهد برج بابل يتجلّى فيها خطيئة انفصال الإنسان عن الله وانقسام البشر بعضهم بعضًا. هذا ضد وحدة الإنسان حيثُ خلقه الله وأراده أن يكونَ واحدًا معه ومع البشر.
· (أع٢) حلول الرّوح القدس على الكنيسة الأولى يمثّل علامةً حقيقيَّةً لوحدة البشر، حيثُ تجتمع كلّ البشريَّة في المسيح يسوع لتكونَ شعبًا واحدًا في جسدٍ واحدٍ في هيكلٍ واحدٍ.
· من وحدة الخليقة أنطولوجيًّا إلى وحدة الخليقة إسكاتولوجيًّا: «لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كلّ شيءٍ في المسيح ما في السّموات وما على الأرض في ذاكَ» (أف١: ١١).
· إنَّ الدّور الأساسيّ من إقامة المجامع المسكونيَّة هو وحدة المسيحيّين، ووحدة التّعليم الصّحيح، ووحدة الاحتفال بعيد القيامة بين جميع المسيحيّين شرقًا وغربًا، وظهر هذا في فعاليّات مجمع نيقيا ٣٢٥م؛ حيثُ كان الهدف من هذا المجمع هو صياغة قانون إيمان واحد، ليكونَ تعبيرًا إيمانيًّا واحدًا لجميع المسيحيّين: «إنَّ المجامع الأولى تُعتبر شهادة بليغة للوحدة القائمة في التّنوّع»[1].
· إنَّ الانقسام بين الكنائس هو عثرةٌ وخطيئةٌ بكلِّ معنى الكلمة؛ حيثُ يمسُّ العلاقة بالله والكنيسة والبشر. الانقسام هو ميراث خطيئة الآباء الّتي توارثنها عنهم حتّى الآن، ولم نهتدِ بعد من هذه الخطيئة. إنَّ انقسام الكنيسة يقتل علامةً من علاماتها وهي صفة "الجامعة". انقسام الكنائس جوهريٌّ وعميقٌ؛ لأنَّه ينبع من اختلاف في الإيمان والأسرار والرّعايّة. الانقسام هو ضدّ رغبة الله في الوحدة، فافتقاد الوحدة بين المسيحيّين هو جُرحٌ للكنيسة، ليس لأنَّه يحرمها وحدتها، بل «لأنَّه عائقٌ يحول دون تحقيق شموليتها في التّاريخ تحقيقًا كاملاً»[2].
· لقد أرسى يسوع قواعد الكنيسة أثناء حياته الأرضيَّة، فالتلاميذ هم نواة الكنيسة الّتي أسسها يسوع المسيح، والعلاقة بين الكنائس تشبه العلاقة بين تلاميذ المسيح الّذين نشروا المسيحيَّة في كُلِّ بقاع العالم؛ حيثُ نجد فيهم الغيّور والمتهوّر والمُحب والأناني، ولكن يجمعهم رأسٌ واحدٌ وهو يسوع المسيح.
· أهم الانقسامات في تاريخ الكنيسة: مجمع خليقدونيا ٤٥١م بين الكنيسة الغربيَّة (الملكيّون/الخليقدونيّون) وبعض الكنائس الشّرقيَّة (اليعاقبة/غير الخليقدونيّين)، الانشقاق الكبير بين روما والقسطنطينيَّة ١٠٥٤م، الإصلاح البروتستانتي في ق١٦م مع مارتن لوثر. إنَّ الخلافات بين الكنائس استمرت لمدة قرون وقرون، لذا تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ ومسيرةٍ للشّفاء من جرح الانقسام. فأمام واقع انقسام الكنيسة؛ نعترف بهذا الانقسام، ونرفضه، ونسير معًا على دروب الوحدة والشّركة.
* أسباب انقسام الكنائس
١. السّياسة
· لعبت الصّراعات السّياسيَّة دورًا كبيرًا داخل الكنيسة، فأغلبية المجامع المسكونيَّة كانت دعوى إقامتها من قبل الأباطرة، بهدفٍ دينيٍّ يغلفه –في الباطن- مصالح سياسيَّة، تركت تأثيرًا سلبيًا في قراراتها، وخلقت لُغةً من القطع والانشقاق والحرمانات بين الكنائس، والحكم على المُهرطق بالحبس والعزل والنّفي والموت تحت رعايّة جنود الإمبراطور، مثلاً: حُكم على البطريرك أثناسيوس الرّسولي بالنّفي ما يقرب من خمس مرّات على كرسيه (١٧ عامًا)، كما تعرّض فلافيانوس بطريرك القسطنطينيَّة في أعقاب أحداث مجمع أفسس الثّاني إلى الضرب حتّى الموت.
· كذلك الصّراع بين الكنائس على ترتيب الكراسي الأولى: روما عاصمة الإمبراطورية الغربيَّة، الإسكندرية ومدرستها الشّهيرة، القسطنطينيَّة عاصمة الإمبراطوريَّة الشّرقيَّة.
٢. الإطار الثّقافيّ (الفلسفة – الثّقافة - اللّغة)
· إدخال الفلسفة في اللاّهوت المسيحيِّ وتطبيقها دون تمييزٍ أدّى إلى ظهور الهراطقات والبدع، مثلاً: استخدام آريوس مصطلح "اللّوغوس" الفلسفيّ وتطبيقه على شخص يسوع المسيح.
· اختلاف اللّغة والمصطلحات (الاختلاف اللّفظيّ) بين الشّرق (اليونانيَّة) والغرب (اللاّتينيَّة) أدّى إلى مزيد من الفُرقة والانشقاق وسوء الفَهم المتبادل. مثلاً: عبّرَ الآباء اليونانيّين عن الله بثلاثة أقانيم وطبيعة واحدة، وعندما ترجم الآباء اللاّتين كلمة "أقنوم" (Ipostasi) باللّغة اللاّتينيَّة أصبحت "طبيعة"، فظنَّ اللاّتين أنَّ اليونانيّن يؤمنون بوجود ثلاث طبائع في الله. وعلى النّقيض عندما استخدمَ اللاّتين مصطلح "شخص" (Prosopon) وتعني قناع، ظنَّ اليونانيّون أنَّ اللاّتين سقطوا في بدعة الشّكلانيَّة (سابيليوس ٢١٥م)؛ الأقانيم الإلهيَّة تكوّن ثلاثة طرق مختلفة لإلوهيَّةٍ واحدةٍ[3].
٣. اختلاف المدارس اللاّهوتيَّة في القرون الأوّلى
· مدرسة الإسكندرية تتسمّ بالطابع التّصوفيّ؛ حيثُ التّركيز على لاهوت المسيح، اللاّهوت التّنازليّ (إنجيل القديس يُوحنّا)، "الكلمة صار بشرًا" (يو١: ١٤).
· مدرسة أنطاكية تتسمّ بالطابع العقليِّ؛ حيثُ التّركيز على ناسوت المسيح، والميل إلى فصل طبيعتي المسيح نظريًّا رغم الاعتراف بوحدتهما، اللّاهوت التّصاعديّ (الأناجيل الإزائيَّة)، "حقًّا كان هذا ابن الله" (مت٢٧: ٥٤)[4].
٤. توارث وديعة الانقسام:
· لقد توارثنا الانقسام من آبائنا الأولين، وذلك في سياق فهمهم للحفاظ على وديعة الإيمان القويم، دون محاولات جادة نحو الوحدة والعيش المشترك.
· إنَّ قانون الإيمان (نيقيا ٣٢٥م – القسطنطينيَّة ٣٨١م) وُضع ليكون علامة وحدة بين المسيحيّين في العالم أجمع، أصبح الآن علامة انقسام (الانبثاق من الآب فقط أم من الآب والابن). كذلك الإفخارستيا بدلاً أن تثمرَ الوحدة أصبحت موضع انقسام بين مؤمني الكنائس المختلفة.
٥. عقلية حُراس العقيدة
· وجود شخصيات كنسيَّة أصحابها ذو عقليّة متزمتة متشدّدة غير مرنةٍ، لا تقبل الاختلاف عنها، وتتمسّك بأقوال الآباء لدرجة العبادة دون إعمال العقل. إنَّ هذه العقليّة تجتر الماضي وتنغمس فيه وتغرق في ألفاظه ومسمياته، فتحرم الكنيسة واللاّهوت من إعمال الفكر وطموحه.
· لقد حان الوقت للتّوبة من هذه الخطيئة بالمسير قدمًا نحو الوحدة في المسيح. إذا نحمل جميعنا اسم المسيح، فلا يحقُّ لأي كنيسةٍ من الكنائس أن تحتكرَ هذا الاسم الّذي هو لنا هبةٌ من الله[5].
· دعا قداسة البابا يُوحنّا الثّالث والعشرين إلى عقد مجمعًا مسكونيًّا عام ١٩٥٩م، وتمَّ إنشاء "الأمانة العامّة من أجل تعزيز وحدة المسيحيّين" في ٥ يونيو ١٩٦٠م في الفاتيكان؛ والّتي كان لها الفضل في مشاركة مندوبين بصفة مراقبين من قبل الكنائس الأرثوذكسيَّة والبروتستانتيَّة في فعاليّات المجمع الفاتيكاني الثّاني.
· لقد أدخلَ المجمع الفاتيكاني الثّاني (١٩٦٣-١٩٦٥م) الفضائل المسكونيَّة (التّوبة، التّواضع، المحبَّة، الصّفح، التّأهب للخدمة، الصّلاة المشتركة بين مختلف الكنائس). بدأت الكنيسة الكاثوليكيَّة انطلاقًا من المجمع الفاتيكاني الثّاني تُنشأ اتصالات بسائر الكنائس المسيحيَّة وإقامة حوارات ثنائيّة مع الكنائس الأرثوذكسيَّة الخليقدونيَّة، الأقباط الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، السّريان الأرثوذكس، الاتّحاد الإنجليكانيّ، الائتلاف اللّوثريّ العالميّ، الاتّحاد العالميّ للكنائس المُصلحة، المجلس العالميّ المثوديّ، الاتّحاد المعمدانيّ العالميّ، مجلس الكنائس العالميّ.
* قراءةٌ في قرار مرسوم "الحركة المسكونيَّة": إعادة بناء الوحدة (Unitatis Redintegratio)
· أحد أهداف المجمع المقدّس المسكوني الفاتيكاني الثّاني هو إعادة بناء الوحدة بين المسيحيّين: «إنَّ العملَ على إعادة الوحدة بين جميع المسيحيّين هو إحدى الغايات الرّئيسيَّة للمجمع المقدّس المسكوني الفاتيكاني الثّاني» (مطلع مرسوم الحركة المسكونيّة – ختام الدّورة الثّالثة – ٢١ نوفمبر ١٩٦٤م).
· أصل ومنبع وحدة الكنيسة في وحدة الثّالوث ذاته (الآب والابن بالرّوح القدس): «بقدر ما تكون شركتنا مع الآب والكلمة والرّوح وثيقةً، بقدر ذلك يستطيعون جعل الأخوّة المتبادلة أعمق وأسهل» (٧). الوحدة هي وحدة الإيمان والرّجاء والمحبَّة: «جسدٌ واحدٌ، وروحٌ واحدٌ، كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. ربٌّ واحدٌ، إيمانٌ واحدٌ، معموديّةٌ واحدةٌ، إلهٌ وآبٌ واحدٌ للكلِّ، الّذي على الكلِّ وبالكلِّ وفي كلّكم» (أف٤: ٤-٦).
· جاءَ يسوع المسيح ليوحّد البشر في تقديم الخلاص للجميع، وقد صلّى من أجل تلك الوحدة قائلاً: «ليكونَ الجميع واحدًا، كما أنَّكَ أنتَ أيَّها الآب فيَّ وأنا فيكَ، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليُؤمن العالم أنَّكَ أرسلتني» (يو١٧: ٢١). فالوحدة هي علامة إيمان بالله. يسوع المسيح أقامَ كنيسته واحدةً وحيدةً، لكنَّها الآن في انقسامٍ، على عكس ما أراده يسوع. هذا الانقسام هو حجر عثرة أمام العالم، يسئ إلى حمل البشارة بالإنجيل للعالم.
· الكنيسة الكاثوليكيَّة هي الكنيسة الوحيدة الّتي يتحقّق فيها العلامات الأربعة (واحدة، مقدّسة، جامعة، رسوليَّة)، وهذا ما يؤكده المجمع الفاتيكاني الثّاني بقوله: «الكنيسة الحقيقيّة تكمن في الكنيسة الكاثوليكيَّة» (نور الأمم، ٨)، «عن طريق كنيسة المسيح الكاثوليكيَّة وحدها، الّتي تُعتبر العون العام للخلاص، يمكن الوصول إلى الكمال التّام للوسائل الخلاصيَّة» (٣).
· «إنَّ طريقة وكيفيّة التّعبير عن الإيمان الكاثوليكيِّ يجب ألاَّ تقف حجر عثرة في وجه الحوار مع الإخوة» (١١)، وهذا يعني:
- الوضوح التّام في عرض العقيدة بأكملها.
- شرح الإيمان الكاثوليكيّ بطريقةٍ أكثر عمقًا واستقامةً.
- شرح التّعليم في جوٍ يسوده حُبّ الحقِّ والمحبَّة والتّواضع.
- إعلان التّعليم لدفع الجميع لمعرفةٍ أعمق، وإعلان أوضح لغنى المسيح الّذي لا يُدرك.
· إنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة تحيط جميع المسيحيّين بمحبَّةٍ واحترامٍ أخويٍّ: «إذا كانت هناك جماعات كبيرة انفصلت عن كامل الشّركة مع الكنيسة الكاثوليكيَّة فقد كان ذلك أحيانًا بسبب خطأ وقعَ من الجانبين [...] الّذين يُولدون في الكنائس المنفصلة عنَّا، لا يصح اتهامهم بخطيئة الانقسام، وأنَّ عدم وجودهم في كامل الشّركة دليل على كونهم في بعض الشّركة معنا من حيثُ اتّحادهم بالمسيح بواسطة المعموديّة وبالكنيسة أيضًا على نوعٍ ما»، «المؤمنون بالمسيح الّذين تعمّدوا عمادًا صحيحًا، يمكن وصفهم بأنَّهم في شركةٍ ما مع الكنيسة الكاثوليكيَّة وإنْ كانت هذه الشّركة غير كاملةٍ [...] إنَّ هؤلاء الأشخاص، وقد تبرّروا بالإيمان في المعموديّة واندمجوا في المسيح، يحملون بحقِِّ اسم "مسيحيّين" ومن ثمَّ يعتبرهم أبناء الكنيسة الكاثوليكيَّة، بحقٍّ "إخوة في الرَّبِّ" (٣).
+ «أمَّا الكنائس الّتي وإنْ لم تكن في شركةٍ كاملةٍ مع الكنيسة الكاثوليكيَّة، هي مع ذلك متّحدة بها برباطات وثيقة جدًّا كالخلافة الرّسوليَّة والإفخارستيا الصّحيحة، فهي كنائس خاصّة حقيقيّة. وبالتّالي فإنَّ كنيسة المسيح حاضرة وفاعلة في هذه الكنائس، بالرُّغم من افتقادها لملء الشّركة مع الكنيسة الكاثوليكيَّة، بسبب عدم قبولها العقيدة الكاثوليكيَّة الّتي تقول بالأوّليّة الّتي يملكها أسقف بوجهٍ موضوعيٍّ، ويمارسها على الكنيسة كلّها بحسب المشيئة الإلهيَّة. بخلاف ذلك فالجماعات الكنسيَّة الّتي لم تحافظ على الأسقفيّة الصّحيحة وعلى الجوهر الحقيقيِّ والكامل للسّرِّ الإفخارستيِّ ليست كنائس بالمعنى الحقيقيِّ [...] غير أنَّ المعمّدين من هذه الجماعات ينضمون إلى جسد المسيح بالمعمودية، وهم إذن في شركةٍ، وإنْ غير كاملةٍ، مع الكنيسة. فالمعموديّة من ذاتها تدفع إلى امتلاك ملء حياة المسيح، بالاعتراف الكامل بالإيمان والإفخارستيا والشّركة الكاملة في الكنيسة» (١٧)[6].
· إنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة تعترف بوجود خيرات ونعم في الكنائس الأخرى مثل: كلمة الله، حياة النّعمة والإيمان والرّجاء والمحبَّة، مواهب الرّوح القدس، شهادة الدّم. إنَّ هذه النّعم تفتح الطريق إلى الشّركة في الخلاص. كما أنَّها تؤمن بأنَّ الصّلاة والكلمة والعمل هم طريقنا للوصول إلى الوحدة الكاملة الّتي يريدها المسيح.
· الوحدة الكاملة في المسيح هو عمل الكنيسة جمعاء (إكليروس وعلمانيّين)، كُلٌّ في موقعه وخدمته ورسالته. علينا أن نتربّى جميعًا على الوحدة، ونسعى إليها. فمن أهداف المسكونيَّة: المحبَّة، التّعارف المُتبادل، تجديد الكنيسة، الاهتداء معًا لله، الصّلاة المشتركة.
مقوّمات العمل المسكوني
(١) الإيمان بالمسيح والحياة فيه: يسوع المسيح هو منبع الوحدة المسيحيَّة ومركزها، وكُلُّما ازداد إيماننا وتعمقنا في شخص المسيح ازدادت وحدتنا معًا، فنحن جسد المسيح الواحد.
(٢) روح المحبَّة: هو عمل الرّوح القدس في الكنائس، رباط المحبَّة والوحدة، مبدأ وحدة الكنيسة. كما يجمع الرّوح القدس الآب والابن في حضن الثّالوث، يجمع الزّوجين في سرٍّ مقدّسٍ، هكذا يُوحّد بين الكنائس المختلفة برباطٍ واحدٍ "جسد واحد وأعضاء كثيرة" (رو١٢: ٥؛ ١كو١٢: ١٢-٣١). إنَّ روح المحبَّة الإلهيَّة تدفعنا إلى أن نخدمَ معًا، ونكتشف غنى وثروات التّقاليد اللّيتورجيَّة والرّوحيَّة والنّسكيَّة والآبائيّة في الكنائس المختلفة.
(٣) كلمة الله: السّلطة الإلهيَّة للكتب المقدّسة، كلمة المسيح هي مصدر الفضيلة، التّطبيق الأدبيّ للإنجيل. كلمة الإنجيل توحدنا.
(٤) حياة الأسرار المقدّسة: المعموديّة هي الرّباط السّرّي للوحدة القائمة بين جميع المسيحيّين، والإفخارستيا هي قلب الأسرار.
(٥) تجديد الكنيسة: الكنيسة كمؤسسةٍ بشريَّةٍ في حاجةٍ دائمةٍ للتّطهير والتّوبة والاهتداء (تغيير القلب والفكر) والإصلاح والصّلاة: «حيثما اجتمعَ اثنانِ أو ثلاثة باسمي فأنا أكون هناك فيما بينهم» (مت١٨: ٢٠)، «إنَّ صلاة المسيحيّين العالميَّة هي أساسٌ للحركة المسكونيَّة» (الأب بُولُس كوتورييه).
· إنَّ الرّغبة في الوحدة تبدأ وتنضج فينا من خلال: إنكار الّذات، التّجرّد الصّادق، التّواضع، الوداعة، السّخاء الأخوّي.
«لا حركة مسكونيَّة حقيقيَّة بدون تجدّدٍ داخليٍّ» (الحركة المسكونيّة، ٧)
· وسائل الحوار المسكوني[7]:
١. الصّلاة المشتركة: الصّلاة هي الاعتراف بقدرة الله على تحقيق الوحدة، الّتي هي رغبة المسيح الأخيرة. كما صلّى يسوع من أجل الوحدة، هكذا ينبغي على الكنائس ليس فقط أن تُصلّي من أجل الوحدة، بل تتخذ خطوات عملية في تحقيق الوحدة.
٢. العمل المشترك: نحتاج دائمًا للعمل المشترك بين الطوائف، هدفه تجميع القلوب وإزالة سوء التّفاهم وتصفية النّيات، وذلك في إطار التّعايش المشترك وتقديم شهادة مسيحيَّة حقيقيَّة أصيلة. يدخل هذا العمل المشترك في مجالات عديدة مثل: المجال الصّحيّ، مجال التّعليم، المجال التّربويّ والثّقافيّ والفني من أجل خير المجتمع كلّه.
٣. الحوار اللاّهوتيّ: الغرض منه توضيح التّعليم الإيمانيّ والمفاهيم اللاّهوتيَّة والممارسات الكنسيَّة، وإزالة إساءة فهم موقف الآخر المختلف.
٤. الحوار بين الرّئاسات الكنسيَّة: ليس المقصود الزّيارات الرّسميَّة، ولكن عمق اللّقاءات وقبولهم للحوار والتّشجيع والتّأثير وجذب النّفوس في درب الوحدة نحو المسيح.
· فخاخ الحوار المسكونيّ:
١. فخ التّشدّديَّة: التّزمت والتّشدّد في مكتسبات كلّ كنيسةٍ ضد الأخرى، وهنا الاحتياج إلى روح المحبَّة الّتي تمنح المرونة وقبول الآخر المختلف وتفهمه.
٢. فخ التّساهليَّة: رؤيّة جميع الأمور نسبيَّة وعدم التّأكيد على الهُوِّيَّة والانتماء، وهنا الاحتياج إلى روح الحقِّ الّذي ينير لنا الطّريق.
* قراءةٌ في رسالة البابا القدّيس يُوحنّا بُولُس الثّاني "نور الشّرق" ٢ مايو ١٩٩٥م[8]
· في هذه الرّسالة البابويَّة البابا يُوحنّا بُولُس الثّاني يدعو المسيحيّين إلى:
(١) تطهير الذّاكرة من كُلِّ خطايا الانقسام، فنحن لسنا مسئولين عن خطايا أجدادنا، ولكنَّنا مسؤولون عن البقاء في خطيئة الانقسام الّتي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا.
(٢) ألاَّ نهتم بانقساماتنا الدّاخليَّة بقدر أن نعيشَ المسيح ونقدمَ شهادةً مسيحيَّةً حقيقيَّةً، فانقسامنا حرمنا العالم من تقديم شهادة مشتركة كان بالإمكان أن تنقذ العديد من المآسي، أو حتّى تبدل مجرى التّاريخ.
(٣) تقديم التّوبة عن الخطيئة ضد الوحدة (خطيئة الانقسام/الانشقاق).
(٤) اكتشاف روعة الوحدة في التّنوع: يرى البابا أنَّ المجامع الأولى تُعدُّ شهادةً بليغةً للوحدة القائمة في التّنوع، ويحثُّ على استمرار هذه الوحدة اليوم قائلاً: «إنَّنا نعرف اليوم أنَّ الوحدة لا يمكن أن تتحقّقَ بمحبَّة الله إلاَّ إذا أرادت الكنائس ذلك معًا، في الاحترام التّام للتّقاليد الفرديَّة وضرورة استقلالها. إنَّنا نعرف أنَّ ذلك لا يمكن أن يتحقّقَ إلاَّ انطلاقًا من محبَّة كنائس تشعر أنَّها مدعوّة إلى أن تُظهر أكثر فأكثر كنيسة المسيح الواحدة، المولودة من معموديّةٍ واحدةٍ، وإفخارستيا واحدة، كنائس نريد أن تكونَ كنائس شقيقة» (٢٠).
* قراءةٌ في رسالة البابا القدّيس يُوحنّا بُولُس الثّاني "ليكونوا واحدًا" ٢٥ مايو ١٩٩٥م[9]
إنَّ توجّه الكنيسة الكاثوليكيَّة منذُ المجمع الفاتيكاني الثّاني (١٩٦٣-١٩٦٥م)، وحبريَّة البابا يُوحنّا بُولُس الثّاني هو نحو المسكونيَّة: «إنَّ التزام الكنيسة الكاثوليكيَّة في العالم المسكونيِّ هو التزامٌ لا عودة منه»، «الحركة المسكونيَّة هي واجبٌ يقع على الضمير المسيحيِّ وقد أناره الإيمان وقادته المحبَّة» (٨).
انقسام المسيحيّين يُضعف قوّة الكرازة بالإنجيل، لذا الوحدة المسيحيَّة هي نقطة انطلاق التّبشير. وحدة الكنائس هي من صميم إرادة الله الخلاصيَّة، فالدّرب المسكونيّ هو درب الكنيسة اليوم.
يشدّد البابا يُوحنّا بُولُس الثّاني في هذه الرّسالة على:
(١) ضرورة التّوبة عن أخطاء كنائسنا وموقفها من سائر المسيحيّين، من إقصاءات تُسيء إلى المحبَّة الأخويَّة ورفض الغفران وكبرياء وانغلاق على الذّات واحتقار الآخرين والحكم على الآخرين بطريقةٍ تناقض الإنجيل (١٥).
(٢) الصّلاة المشتركة: «الصّلاة المسكونيَّة هي في خدمة الرّسالة المسيحيَّة ومصداقيّتها» (٢٣).
(٣) الحوار المسكونيّ: يؤدي إلى نوعٍ من حوار الضمائر (٣٤).
(٤) التّعاون العمليّ: يؤكّد البابا على ضرورة العمل المشترك بين المسيحيّين: «إنَّ العلاقات بين المسيحيّين لا تهدف فقط إلى التّعارف المتبادل والصّلاة المشتركة والحوار. إنّها تسبق وتتطلّع وتطلب منذُ الآن كلّ تعاونٍ عمليٍّ ممكن وعلى مختلف الأصعدة، الرّعويَّة والثّقافيَّة والاجتماعيَّة، وأيضًا في الشّهادة لرسالة الإنجيل [...] وحدة العمل تقود إلى ملء وحدة الإيمان» (٤٠).
(٥) أهميّة دور أسقف روما من أجل الوحدة، أوّل خدّام الوحدة: «أولويّة بطرس كانت تُمارس هكذا من أجل الوحدة» (٩٦).
· يتناول البابا القدّيس يُوحنّا بُولُس الثّاني الحديث عن ثمار الوحدة ذاكرًا ١٢ نعمة منحها الله للكنيسة على طريق الوحدة خلال ٣٠ سنة الماضية (١٩٦٥-١٩٩٥م):
(١) استعادة الأخوّة: كُلُّنا إخوة في المسيح بسبب معموديتنا، فهي انتمائنا المشترك للمسيح (٤٢). نستخدم مصطلحات مثل (المسيحيّون الآخرون، مسيحيو الجماعات الأخرى، المعمّدون الآخرون) في الحديث بعضنا بعضًا.
(٢) التّضامن في خدمة الإنسانيّة: نحو الحُرِّيَّة والعدالة والسّلام وخدمة الفقراء والمرذولين.
(٣) التّعاون في نشر الكتاب المقدس والاحتفال بالعبادة: من خلال التّرجمات المختلفة للكتاب المقدس.
(٤) تقدير ثروات والقيم الرّوحيَّة لدى المسيحيّين الآخرين: من خلال عمل الرّوح القدس الّذي يسهم في بناء جسد المسيح كلّه.
(٥) تقدّم الشّركة: نسعى جميعًا نحو شركةٍ كاملةٍ.
(٦) الحوار مع الكنائس الأرثوذكسيَّة وإعادة العلاقات معها: رفع الحرم بين الكنيسة الكاثوليكيَّة وكنيسة القسطنطينيَّة (١٠٥٤-١٩٦٥م).
(٧) الكنائس الشّقيقة: هذه التّسمية أفضل من الكنائس المنفصلة؛ حيثُ تحوي اعتراف كلّ كنيسةٍ بأنَّ الكنيسة الأخرى تحتوي في ذاتها على جوهر الإيمان المسيحيِّ ووسائل الخلاص. إلغاء الحرمانات المتبادلة بين الكنائس، فنحن واحدٌ بالمعموديّة في يسوع المسيح (غل٣: ٢٨)، يجمعنا الكهنوت والخلافة الرّسوليَّة.
(٨) تقدّم الحوار: أحرزت اللّجنة اللاّهوتيَّة الدّوليَّة تقدّمًا في الاتفاق حول الثّالوث الأقدس، الكنيسة، الكهنوت، العلاقة بين الإيمان والأسرار.
(٩) العلاقات مع كنائس الشّرق القديمة: الاتفاق حول لاهوت السّيّد المسيح بعد قرون من الانقسام والانشقاق الّذي حدثَ في مجمع خليقدونيا ٤٥١م.
(١٠) الحوار مع الكنائس الإنجيليَّة: تمَّ بعض الاتفاقيّات حول المعموديّة، الإفخارستيا، الكهنوت.
(١١) العلاقات الكنسيَّة: لقاءات البابا المسكونيَّة في العديد من البلدان الّتي يزورها.
(١٢) التّعاون بين الكنائس في خدمة الإنسان: في مجالات التّربية، تحسين الأوضاع الاجتماعيّة، السّلام، تقديم شهادة مسيحيَّة حقيقيَّة في المجتمع.
١. يسوع المسيح هو مركز وحدة الكنيسة/حجر الزّاوية/مبدأ الوحدة، البابا/الأسقف هو صانع الوحدة/العلامة المرئيّة للوحدة، الرّوح القدس هو الوجه غير المرئي للوحدة.
٢. إنَّ ما يجمعنا أكثر ممَّا يفرقنا، وهذا ما نقرأه في قانون الإيمان؛ الإيمان بالله الواحد الثّالوث (الآب، الابن، الرّوح القدس)، الإنجيل الواحد (إنجيل يسوع المسيح)، الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرّسوليَّة، مغفرة الخطايا، قيامة الأموات، الدّينونة الأخيرة...الخ.
٣. الرّئاسة الكنسيَّة والمجمعيَّة في خدمة الوحدة في الإيمان، وفي خدمة نمو جسد المسيح في المحبَّة.
٤. إنَّ اللّقاءات والحوارات المسكونيَّة بين الكنائس من دورها إذابة الجدار الجليدي بين الكنائس، إزالة سوء التفاهم الموجود، تقريب المسافات ووجهات النّظر المختلفة.
٥. وحدة الكنيسة الجامعة أمرٌ لابدَّ منه، ولكن ليس على حساب الكنائس المحلِّيَّة. فإذا كانت الكنيسة على صورة الله الواحد الثّالوث، ففي الثّالوث لا تُزيل وحدة الجوهر تمايز الأقانيم. كذلك في الكنيسة لا ينبغي أن تُزيل وحدة الكنيسة الجامعة تمايز الكنائس المحلَّيَّة والكنائس الخاصّة.
٦. كنوز الإيمان المشتركة بين الكنائس: الكهنوت، المائدة (الإفخارستيا)، مريم العذراء، الرّهبنة، الرّوحانيَّة النّسكيَّة، التّراث الرّوحيّ واللّيتورجيّ واللّاهوتيّ لآباء الكنيسة، تكامل التّعبير اللاّهوتيّ الشّرقي (التّصوّف) والتّعبير اللاّهوتيّ الغربيّ (العقل والمنطق) معًا، الوعي المسكوني والاحترام المتبادل بين الكنائس، الحوار معًا.
٧. مُكونات/مضمون الوحدة: الكتاب المقدّس (البُعد التّعليميّ النّبويّ)، الأسرار (البُعد التّقديسيّ الكهنوتيّ)، الرّعايّة (البُعد التّدبيريّ الملكيّ).
* الوحدة في الإيمان/التّعليم: إيمانٌ واحدٌ – تعليمٌ واحدٌ – عقيدةٌ واحدةٌ
· انتقال وديعة الإيمان الواحدة من جيلٍ لآخر بالتّسلّم والتّسليم: «سلمتُ إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا» (١كو١٥: ٣)، «وكانوا يُواظبون على تعليم الرّسل والشّركة وكسر الخبز والصّلوات» (أع٢: ٤٢). أساس وديعة الإيمان هي يسوع المسيح.
· الوحدة في الأسرار: خصوصًا سرّي المعموديّة والإفخارستيا في توحيد جسد المسيح، كنيسة واحدة.
ترى الكنائس الأرثوذكسيَّة أنَّ الاختلاف في الإيمان يؤدي إلى انشقاقٍ في الأسرار، فالاشتراك في المائدة (الإفخارستيا) يشترط أولاً الوحدة، في حين أنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة ترى أنَّ الاشتراك في الإفخارستيا يُثمر الوحدة، فالإفخارستيا تصنع وحدة الكنيسة، لذا ترحب الكنائس الكاثوليكيَّة بالاستضافة الإفخارستيَّة (الزّيجات المختلطة، المدارس، اللّقاءات المسكونيَّة).
«الكنيسة تفعل الإفخارستيا، والإفخارستيا تفعل الكنيسة» (الأب هنري دي لوباك اليسوعيّ، سرّ الكنيسة)
اللاهوت الكاثوليكي:
. ينطلق ويركز على الوحدة.
. نتيجة الشّركة هي الوحدة.
. صانع الوحدة هو الرّوح القدس (غير المرئي)، البابا (المرئي).
. الإفخارستيا تصنع الشّركة والوحدة: «إنَّ الكنائس الّتي في شركةٍ تكوّن الكنيسة الواحدة».
اللاهوت الأرثوذكسي:
. ينطلق ويركّز على الشّركة.
. صانع الشّركة هي المائدة (الإفخارستيا).
. الإفخارستيا تشترط الشّركة.
. «إنَّ الكنيسة الواحدة مكوّنة من كنائس في شركةٍ».
٨. نظرة الكنيسة الكاثوليكيَّة نحو الكنائس الأخرى
· ترى الكنيسة الكاثوليكيَّة أنَّ الكنائس الأرثوذكسيَّة تشترك معنا فقط في الأسرار والتّعليم – شركةٌ غير كاملةٍ، بينما الجماعات المسيحيَّة الكنسيَّة (البروتستانت) تختلف معنا في التّعليم والأسرار والتّدبير.
· آباء المجمع الفاتيكاني الثّاني لا يقولوا: «الكنيسة الحقيقيَّة هي الكنيسة الكاثوليكيَّة»، إنَّما يقولوا: «الكنيسة الحقيقيَّة تكمن في (subsistere in) الكنيسة الكاثوليكيَّة».
· ترى الكنيسة الكاثوليكيَّة أنَّ الكنائس الأخرى تنال وسائل الخلاص الاعتياديّة (الإيمان، الأسرار، الرّعايّة): «نحن نعرف أين توجد الكنيسة، ولكن لم يُعط لنا أن نُلقي حكمًا فنقول أين هي لا توجد» (بول إفديميكوف).
«إنَّه أكثر صوابًا أن نعتبرَ أنَّ الحقيقة تمتلكنا من أن نعتبرَ أنَّنا نمتلكها» (ق أغسطينوس)[10]
· يمكننا إرجاع ضُعف العمل المسكونيّ في الكنيسة المصريّة بين طوائفها الثّلاث (الكاثوليك، الأرثوذكس، البروتستانت) إلى:
(١) عدم تربية وتكوين أشخاص كنسيّين للفكر المسكونيّ والعيش بروح المحبّة والانفتاح نحو الطوائف الأخرى.
(٢) عدم وجود إرادة حقيقيَّة للسّعي قدمًا في اتجاه وحدة المسيحيّين.
(٣) وجود نزعة الطائفيَّة من تزمت شديد داخل كلّ كنيسةٍ، يصل أحيانًا إلى تكفير الكنائس الأخرى.
(٤) التّمسك الأعمى بتقليد الآباء وموروثات الانقسام.
(٥) ضُعف إعمال العقل في إيماننا المسيحيِّ.
(٦) ثقافة المجتمع الّتي تجد صعوبةً في قبول المختلف، والعمل الجماعي – نحن لا نعمل مع مَنْ يختلف معنا في الفكر، وبالأحرى في المعتقد الدّينيّ والعبادة لله.
. إنَّ الرّوح المسكونيَّة الحقيقيَّة هي روح التّوبة بمعنى تغيير القلب والفكر... هي روح الحوار المسكونيّ (الشّرط الأساسيّ للمسكونيّة)... ليست في تغيير الإيمان أو التّعليم أو الأسرار أو الرّعايَّة.
· سعي الكنيسة الحقيقي والدّؤوب نحو الوحدة (درب المسكونيَّة) من خلال وجود إرادة حقيقيَّة لدى الرّئاسة الكنسيَّة في العمل على استمرار أعضاء الجسد الواحد في الاتّحاد بعضهم بعضًا.
· إنَّ كنائسنا الشّرقيّة وخصوصًا الكنيسة المصريَّة مازلت تعيش خطيئة الانقسام والطائفيَّة بأشد صورها، لذا هي في حاجةٍ إلى التّوبة؟ (بأي معنى؟). التّوبة بمعنى تغيير القلب والفكر، على مثال اهتداء بطرس الرّسول في الكنيسة الأولى في قبول الأمم في الإيمان المسيحيّ من خلال رؤيّا الملاية الّتي عليها جميع أنواع الدّواب (أع١٠: ٩-٢٣)، ثمَّ نجد بطرس الرّسول يُبرّر خدمته للأمم ويفهم معنى مشهد الملاية والدّواب قائلاً: «إنَّ يُوحنّا عمّدَ بماءٍ وأمَّا أنتم فستُعمدون بالرّوح القدس. فإنْ كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضًا بالسّويّة مؤمنين بالرَّبِّ يسوع المسيح، فمَنْ أنا؟ أقادرٌ أن أمنعَ الله؟ [...] إذًا أعطى الله الأمم أيضًا التّوبة للحياة!» (أع١١: ١٦-١٨).
· كلُّما اهتدت الكنيسة وتابت تقدّمت خطوات نحو الوحدة الكاملة: «لا يتقبّل الله ذبيحة الإنسان العائش في الشّقاق. إنَّه تعالى يأمرنا بأن نغادرَ المذبح ونذهب أوّلاً ونصالح أخانا، كي يستجيبَ الله الصّلوات المقدّمة في السّلام. إنَّ أعظم ذبيحة يمكن أن نقدّمها لله هي سلامنا، هي الوفاق الأخوّى، هي الشّعب الّذي تجمعه تلك الوحدة القائمة بين الآب والابن والرّوح القدس»[11].
· طُرح سؤالٌ على قداسة البابا يُوحنّا بُولُس الثّاني في كتاب (العبور إلى الرّجاء): لماذا سمحَ الرّوح القدس بهذا القدر من الانقسامات العميقة والعداوة بين مَنْ يؤكّدون اعتقادهم بإنجيلٍ واحدٍ وهم رسل لإنجيلٍ واحد؟ الإجابة: الانقسامات هي الثّمرة المرّة لخطايا المسيحيّين. الانقسامات هي فرصةٌ لاكتشاف تعدّديّة الكنيسة وغناها في الإنجيل وفداء المسيح[12].
· وُجه سؤالٌ للبابا فرنسيس: ماذا يجب عليَّ أن أفعلَ مع صديقي/جاري الأرثوذكسيّ؟ فأجاب البابا: يجب أن أكونَ منفتحًا، أو أكون صديقًا. ولكن هل عليَّ أن أضغطَ عليهم لكي يرتدوا؟ التّبشير خطيئة كبيرة ضدّ المسكونيّة لا تحاولوا أبدًا أن تبشروا الأرثوذكس. إنَّهم إخوتنا وأخواتنا، تلاميذ يسوع المسيح. على الكاثوليكيِّ عدم الشّجب، بل على العكس إظهار الصّداقة والسّير جنبًا إلى جنبٍ معًا، وأن نُصلّي لبعضنا بعض، وأن نقومَ بأعمال الخير والمحبَّة سوية إنْ أمكن.
· سمحت الكنيسة الكاثوليكيَّة باستخدام صيغة قانون الإيمان الأوّلى "منبثق من الآب" (فقط) في اللّقاءات المسكونيَّة، كخطوةٍ إيجابيةٍ نحو المسكونيّة والوحدة.
١. إقامة لقاءات مشتركة بين الكنائس هدفها التّعارف، والتّقارب الأخوّي، عرض التّعليم والعقيدة بروح المرونة والانفتاح. أن نخدمَ معًا، نُصلّي معًا. فيجب التّمييز في الحوار المسكونيِّ بين ما هو أساسيّ للشّركة بين الكنائس، وما يجب تركه لقرار الكنائس الخاصّة.
٢. تكوين وتربيّة الرّوح المسكونيّة من خلال: التّعرّف على الخبرات الرّوحيَّة للكنائس الأخرى، تبادل الميراث الرّوحي والآبائي بين الكنائس، تربية روح الانفتاح والاحترام تجاه الكنائس الأخرى، دراسة تاريخ الكنيسة والعقائد، مؤتمرات للتّعليم اللاّهوتيّ المسكونيّ للرّعاة، إرساليّات متبادلة بين الكنائس، تكثيف لقاءات الصّلاة والدّراسات المسكونيَّة والحوارات المسكونيَّة، تمييز ما هو جوهريٌّ في أمور العقيدة وما يمكن أن نعدَّه تنوّعًا مشروعًا في التّعبير اللاّهوتيِّ والتّنظيم الكنسيّ.
٣. تكوين أشخاص وقيادات على الفكر المسكوني والرّوح المسكونيّة الّتي تتسمّ بالمحبَّة والانفتاح وقبول الآخر...الخ
٤. تفعيل أسبوع الصّلاة من أجل الوحدة في جميع كنائس مصر بمختلف طوائفها.
٥. التّخلّي عن المنطق الّذي كان يعيشه الآباء في القرون الأولى؛ وهو محاربة كلّ مَنْ يختلف عنَّا في المعتقد والفكر، مثلما كان يحدث في حرق كتب الوثنيّين والهراطقة وهدم معابدهم وتحويلها إلى كنائس وأديرة والقضاء عليهم. فاليوم أصبح التّعدّد في التّفكير اللاّهوتيِّ أمرًا مشروعًا داخل الكنيسة الكاثوليكيَّة، فيجب القبول بتعدّد المدارس والنّظريّات اللاّهوتيَّة ضمن جوهر الإيمان الواحد.
٦. التّركيز على الحياة في المسيح أكثر من التّعبير عن السّرِّ الإلهيِّ: إنَّ ما تختلف عليه الكنائس ليس أمرًا أساسيًّا يمنعهم من الوصول إلى السّيّد المسيح. فالقداسة موجودةٌ في كُلِّ الكنائس رغم انقسامها.
٧. يجب التّحلّي بروح المحبَّة والتّواضع، ونعترف بضعفنا وتقصيرنا عن إدراك سرّ المسيح إدراكًا كاملاً بالعقل والإحاطة والاحتواء بالسّرِّ الإلهيِّ. إنَّ أكبر عائق أمام الوحدة هو ادّعاء كلّ منَّا بأنَّه وحده يملك الحقيقة المطلقة، وبأنَّ تعابيره اللاّهوتيَّة وحدها هي صورة طبق الأصل للواقع الإلهيِّ. يجب أن نعترفَ إنَّنا جميعًا لازالنا على طريق التّعمق في سرِّ المسيح، وتعابيرنا اللاّهوتيَّة ليست سوى رموز دينيَّة تشير إلى السّرِّ الإلهيِّ، وتساعدنا على الدّخول فيه، ولكنَّها بالطبع تعجز عن وصفه: «الله لا يفي به وصف ولا يدركه عقلٌ». فالمسيحيَّة هي حياة الله فينا قبل أن تكونَ تعبيرًا عقليًّا عن السّرِّ الإلهيِّ.
٨. لا عودة إلى الوراء: «مَنْ يضع رجليه على درب الوحدة المسكونيَّة لا ينظر إلى الوراء».
· الله هو أصل وحدة الكنيسة ومرجعها وهدفها. الله هو ماضي الكنيسة وحاضرها ومستقبلها. منبع وأصل وحدتنا معًا هو وحدة الآب والابن بالرّوح القدس في حضن الثّالوث (ثيولوجيًّا). الرّوح القدس هو مصدر الوحدة، يصنع وحدة الكنيسة: «كانت نتيجة عنصرة الرّوح القدس تأسيس الوحدة في المسيح؛ وإنَّما ذلك هو الكنيسة» (الميتروبوليت سيرافيم). لذا الوحدة المسيحيَّة ليست قضيّةً بشريَّةً بل إلهيَّةً، هي قصد الله وحده.
· الكنيسة واحدةٌ.. جسدٌ واحدٌ.. عروسٌ واحدةٌ للعريس الإلهيِّ الواحد: «يا للعجب ملؤه السّرّ: واحدٌ هو آب جميع الأشياء، واحدٌ هو كلمة جميع الأشياء، والرّوح القدس واحدٌ وعينه في كُلِّ مكانٍ. وهناك عذراءٌ واحدةٌ وهي أمٌّ، يطيب لي أن أدعوها كنيسة» (إكليمندس الإسكندريّ، المربّي ١/٦/٤، ٤١).
· وحدة المسيحيّين هي الوحدة المنشودة في مسيرة نضوج: «فتمّموا فرحي حتّى تفتكروا فكرًا واحدًا ولكم محبَّةٌ واحدةٌ بنفسٍ واحدةٍ مفتكرين شيئًا واحدًا» (فل٢:٢)، «أطلبُ إليكم أيُّها الإخوة، باسم ربّنا يسوع المسيح، أن تقولوا جميعكم قولاً واحدًا، ولا يكون بينكم انشقاقات، بل كونوا كاملين في فكرٍ واحدٍ ورأيٍ واحدٍ» (١كو١: ١٠).
· استخدام المصطلحات في المجامع الأولى وتفسيرها بطرق عديدة كان أحد أسباب انقسام الكنيسة، وفي ذلك نقول: إنَّ وديعة الإيمان لا تقوم على التّعابير والألفاظ، يجب التّمييز في العقائد الّتي حدّدتها المجامع المسكونيَّة بين جوهر العقيدة والألفاظ الّتي استخدمتها المجامع للتّعبير عن هذا الجوهر. وديعة الإيمان يجب الحفاظ عليها، وجوهر العقيدة لابدَّ من التّمسك به، ولكن التّعابير يمكن أن تختلفَ بين كنيسةٍ وأخرى[13].
فلنصل: ليمنحنا الله الشّعور بالنّدم والاشتياق إلى الوحدة بواسطة الرّوح القدس أن يضعَ في قلوبنا التّوق إلى كنيسة الله الواحدة المنظورة الجامعة. ليُكنِ العمل المسكونيّ هدفًا لكلِّ الكنيسة من أساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وشعبها أجمع.
قائمة المصادر والمراجع
- التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيَّة، تعريب المتروبوليت حبيب باشا وآخرون، المكتبة البولسيَّة، لبنان، ١٩٩٩.
- جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، دار لوغوس، القاهرة، ٢٠٢٤.
- فاضل سيداروس اليسوعيّ (أب)، مَنْ أنتِ أيّتها الكنيسة؟، دراسات لاهوتيَّة =٨، دار المشرق، بيروت، ط٣، ٢٠٠٥.
- كيرلّس سليم بسترس (مطران)، مقالات في اللاّهوت والحركة المسكونيّة، الفكر المسيحيّ بين الأمس واليوم = ٢٥، منشورات المكتبة البولسيَّة، لبنان، ٢٠٠١.
- هينريش دنتسنغر- بيتر هونرمان، الكنيسة الكاثوليكيَّة في وثائقها، الفكر المسيحيّ بين الأمس واليوم = ٢٧-٢٨، ترجمة الأب يُوحنّا منصور والأب حنّا فاخوري، المكتبة البولسيّة، جونيه، ٢٠٠١.
- وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني المسكوني، ط٣، المكتبة الكاثوليكية، القاهرة، ٢٠٠٠.
- يُوحنّا بُولُس الثّاني (بابا)، العبور إلى الرّجاء، المركز الكاثوليكيّ للإعلام، لبنان، ١٩٩٤.
- يُوحنّا بُولُس الثّاني (بابا)، ليكونوا واحدًا، منشورات اللّجنة الأسقفيَّة للإعلام، لبنان، ١٩٩٥.
- Giovanni Paolo II, Orientale Lumen, Dicastero per la Comunicazione, Vaticano, 1995.
- Kaslik Regional Symposium, September 1994, Pro Oriente Booklet, N°8, Vienna, 1998.
- Osservatore Romano, Decembre 7-8, 1987, p.5; Pro Oriente Booklet, N°4, p.49.
[1] يُوحنّا بُولسُ الثّاني (بابا)، ليكونوا واحدًا، بند٦١.
[2] مجمع العقيدة والإيمان، بيان سرّ الكنيسة، ١٧. أيضًا وثائق المجمع الفاتيكاني الثّاني، قرار في الحركة المسكونيَّة، ٤، ص٢٣٩.
[3] را. جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، ص٩٠-٩٢.
[4] را. جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، ص١٢٧-١٢٨.
[5] را. كيرلس سليم (مطران)، مقالات في اللاّهوت والحركة المسكونيَّة، المقالة الثّالثة عشرة: معالم على طريق وحدة المسيحيّين: الحركة المسكونيّة في القرن العشرين، ص١٦٥.
[6] را. كيرلس سليم (مطران)، مقالات في اللاّهوت والحركة المسكونيَّة، المقالة الثّامنة عشرة: "الرّبّ يسوع" (Dominus Jesus) بيان مجمع عقيدة الإيمان حول وحدانيّة الخلاص وشموليته بيسوع المسيح والكنيسة، ص٢١٩-٢٥٩.
[7] را. فاضل سيداروس اليسوعيّ (أب)، مَنْ أنتِ أيّتها الكنيسة؟، ص١٤٦-١٥٢.
[8] را. كيرلّس سليم بسترس (مطران)، مقالات في اللاّهوت والحركة المسكونيّة، المقالة الخامسة عشرة، الدّعوة إلى الوحدة بين كنائس الشّرق والغرب: قراءةٌ للرّسالة العامة "نور الشّرق" (Orientale Lumen) لقداسة البابا يُوحنّا بُولس الثّاني ٢ مايو ١٩٩٥م، ص١٩١-١٩٨.
[9] را. كيرلّس سليم بسترس (مطران)، مقالات في اللاّهوت والحركة المسكونيّة، المقالة السّادسة عشرة: "ليكونوا واحدًا" (Ut Unum Sint) رسالة عامّة لقداسة البابا يُوحنّا بُولُس الثّاني في التزام العمل المسكونيِّ ٢٥ مايو ١٩٩٥، ص١٩٩-٢٠٨.
[10] را. فاضل سيداروس اليسوعيّ (أب)، مَنْ أنتِ أيّتها الكنيسة؟، ص١٢٦-١٤٦.
[11] يُوحنّا بُولسُ الثّاني (بابا)، ليكونوا واحدًا، بند١٠٢.
[12] يُوحنّا بُولُس الثّاني (بابا)، العبور إلى الرّجاء، ص٢١١-٢١٢.
[13] را. كيرلّس سليم بسترس (مطران)، مقالات في اللاّهوت والحركة المسكونيّة، المقالة السّابعة عشرة: وحدة الكنيسة ووحدة المسيحيّين: رؤيّة مستقبليَّة، ص٢١٦.