موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في كل مرة نعبر فيها بوابة مستشفى الأطفال «بامبينو جيسو» (الطفل يسوع)، نجد أنفسنا فورًا في أجواء تبدو شبه سريالية. نلتقي بالعديد من العائلات الشابة، وكثير منها اعتاد السفر الطويل، تحمل في قلوبها أثقال الانتظار، والرجاء، والقلق، والضياع. الحياة في هذا المكان تمتلئ بالأسئلة، لكنها أيضًا تمتلئ بالعلامات والإيماءات والاهتمامات والتفاصيل التي ربما لم نعد معتادين عليها.
أتذكر اليوم الذي زرت فيه، بصفتي أسقفًا مساعدًا مفوضًا في روما للرعاية الصحية، قسم العناية المركزة لحديثي الولادة. عند دخولي، جذبتني فورًا صورة أب شاب جالس إلى جانب سرير طفله الصغير جدًا، الخديج، الموصول بأجهزة التنفس. كان يبتسم بابتسامة عذبة لا توصف، دون أن يرفع نظره عن طفله، وكأنه يدرك أن نظراته المليئة بالمحبة هي العلاج الأكثر فعالية. وعندما التفت إليّ ذلك الأب منتظرًا البركة، انطبعت ابتسامته في ذاكرتي، ومنذ ذلك الحين أفكر أن الله الآب ينظر إليّ بالطريقة نفسها، بمحبة مستمرة تشفي وتخلّص.
بعد تلك الزيارة، كانت في انتظاري الأخت فينشنزا مع أخواتها الراهبات والكهنة لتقديم وجبة خفيفة بسيطة. تلك الدقائق القليلة جعلتني أشعر وكأنني في عائلة، مرحّب بي ومدعوم بمحبة. حتى الأسقف يحتاج إلى عائلة.
كانت الأخت فينشنزا، على عكسّي، أكثر خبرة بلا حدود في «تفاصيل المحبة الصغيرة». حياتها المكرسة، التي قضت معظمها في هذا المستشفى، كانت مليئة بـ«تفاصيل الإنجيل»؛ تفاصيل صغيرة مثلها في القامة، لكنها كانت تحمل إنسانية وروحانية عميقة أفادت أجيالًا من المرضى والعائلات والأطباء والممرضين والمتطوعين والكهنة… وحتى الأساقفة.
الأخت فينشنزا أوسيلي، التي جسّدت ببساطة وروحانية روح بنات المحبة للقديس منصور دي بول، كانت ستبلغ التسعين في تموز، وقد أمضت منها ستين عامًا في «بامبينو جيسو». توفيت في 16 حزيران. كانت «مؤسسة» في المستشفى، لكنها من النوع الذي يترك أثرًا في القلوب دون أن يلفت الأنظار، بثباتها في الخدمة المليئة بالكفاءة والأمانة، وبحنان من كرّس حياته لله من أجل الآخرين.
كانت «ذاكرة حية للماضي» و«حضورًا ملموسًا في الحاضر». ضمن سلسلة طويلة من راهبات مار منصور اللواتي خدمن المستشفى عبر الزمن، كانت حلقة ثمينة، كانت تحب أن تروي ذاكرة الخير الذي صنعته أخواتها الأكبر سنًا في زمن الحرب، عندما كان «بامبينو جيسو» أيضًا ملجأً لكثيرين ممن نجوا من بطش النازية عبر التظاهر بأنهم أطباء أو ممرضون أو مرضى. كانت تحب أن تروي هذه القصص، ربما لجعل من يسمع يلتفت إلى ما هو مهم حقًا: أي المحبة.
كانت تدرك أن أمامها قلوب أمهات وآباء يحملون سؤالًا واحدًا: «لماذا طفلي؟»، لكنها لم تكن تقدم جوابًا، بل حضورًا، «البقاء إلى جانبهم»، والتسليم البسيط والعفوي لله. رحمها الصغير امتلأ بأبناء وبنات تُعنى بهم وتحميهم وترافقهم. أصبحت أمًا لكثير من الأمهات، وأختًا للجميع، وفي النهاية نوعًا من «الجدة». كان الجميع يشعرون بأنهم في بيتهم عندما يلتقون بها في ممرات المستشفى وغرفه.
كل فعل بسيط منها -إحضار الطعام على صينية، أحيانًا كانت هي من تحضّره، إهداء أيقونة العذراء العجائبية، أو تقديم لمسة حنان- كان مرفقًا بابتسامتها الطيبة ولهجتها السردينية التي كانت تملأ عيون من ينظر إليها بالفرح.
أتساءل: كيف استطاعت أن تفعل ذلك طوال كل تلك السنوات في مستشفى كهذا؟ أنا متأكد أن سر الأخت فينشنزا كان قلبًا وديعًا ومتواضعًا متحدًا بقلب المسيح. وكما قال القديس منصور: «الراهبة التي تفعل كل ما تستطيع لتجعل قلبها متحدًا بقلب ربنا… أي بركات عظيمة لن تنالها من الله!».
ربما البابا فرنسيس، الذي التقاها أيضًا خلال زياراته للمستشفى كما فعل أسلافه، استلهم منها عندما كتب في الإرشاد الرسولي حول القداسة «افرحوا وابتهجوا»: «يطيب لي أن أرى القداسة في شعب الله الصبور: في الأمهات والآباء الذين يربون أبناءهم بمحبة كبيرة، وفي أولئك الرجال والنساء الذين يعملون ليحملوا الخبز إلى البيت، وفي المرضى والراهبات المُسنَّات اللواتي لا تفارق الابتسامة ثغورهن» (7).
الأخت فينشنزا لا تزال تبتسم لنا من السماء. وأجرؤ على القول إنه عند دخولها إلى الفردوس، جموع من الأطفال الذين غادروا هذه الحياة مبكرًا ركضوا إليها ليحطّوا حولها بفرح.