موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
حذّر الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط، البروفسور ميشال عبس، من خطورة انتشار "الأبلسة" وخطاب الكراهية في مجتمعات الشرق الأوسط، مؤكدًا أن المنطقة لا تعاني من الحروب والجيوش فحسب، وإنما أيضًا من "حرب روايات وحرب كلمات"، يمكن أن تتحول فيها كلمة واحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى شرارة لأحداث متفاوتة الخطورة.
جاء ذلك في كلمته خلال افتتاح المؤتمر الإقليمي "مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا"، المنعقد في مصر، والذي ينظمه مجلس كنائس الشرق الأوسط بالتعاون مع الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية.
وقال عبس إن اختيار مصر لاستضافة المؤتمر يحمل دلالة خاصة، واصفًا إياها بـ"أرض اللقاء"، ومستذكرًا لجوء العائلة المقدسة إليها، إلى جانب تجربتها في الوحدة الاجتماعية، قبل أن يحذّر من أن التنوع الإثني والعرقي والطائفي في العالم العربي قد يتحول إلى مدخل للصراعات إذا لم تتم مواجهة مشاريع التفتيت والتمزيق وخطاب الكراهية.
وتوقف الأمين العام عند مفهوم "الأبلسة"، موضحًا أنها تبدأ عندما يُنزع عن الآخر بُعده الإنساني ويُحوَّل، بسبب الاختلاف، إلى شر مطلق وخطر ينبغي استئصاله، محذرًا من أنه عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة "يصبح العنف مبررًا، ويصبح القتل مقدسًا في عيون القاتل".
ولفت إلى أن خطاب الكراهية لا يبدأ بالفعل العدائي نفسه، وإنما بصورة نمطية سلبية تتشكل عن فرد أو جماعة، ثم تتحول إلى حكم شامل وخطاب يبرر الإقصاء، وقد تصل في نهاية المطاف إلى التمييز والعنف. ولخّص هذا المسار بثلاث مراحل مترابطة: الفكر، ثم الموقف أو التعبير، ثم العمل.
وقال إن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على طرف واحد، مضيفًا: "نحن لسنا ضحايا فقط. نحن أحيانًا شركاء في هذا الخطاب من حيث لا ندري"، ولا سيما عندما يُربّى الأطفال في البيوت والمدارس على الخوف من الآخر ورفضه، داعيًا من خلال المؤتمر إلى ما وصفه بـ"توبة جماعية".
وحذّر عبس بصورة خاصة من الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم خطاب الكراهية، إذ باتت الكلمة قادرة على الوصول إلى الملايين خلال ساعات، فيما لا يأتي التحريض دائمًا عبر الأخبار الكاذبة، وإنما قد يحدث أيضًا من خلال انتقاء المعلومات والعناوين المثيرة وإخراج التصريحات من سياقها وتكرار الصور النمطية.
وأشار إلى أن خوارزميات وسائل التواصل تزيد المشكلة تعقيدًا، لأن المحتوى الذي يثير الغضب والخوف غالبًا ما يحقق تفاعلًا أكبر، محذرًا من أن يتحول "الغضب إلى سلعة إعلامية"، وأن يصبح الإعلام بدلًا من مساحة للمعرفة والتعدد والحوار "مكبرًا للكراهية".
كما حذّر من الاستخدام السياسي لخطاب الكراهية، ولا سيما عندما يُصنع "عدو" أو تُحمّل فئة دينية أو اجتماعية أو قومية مسؤولية الأزمات، مؤكدًا أن مراقبة الخطاب السياسي ليست قضية أخلاقية فحسب، وإنما ترتبط أيضًا بالأمن المجتمعي، وأحيانًا بالأمن القومي.
وطرح عبس مجموعة من الخطوات العملية لمواجهة الظاهرة، تبدأ بإدخال التربية على التنوع والحوار والتفكير النقدي في المناهج، وتطوير برامج للتربية الإعلامية والرقمية، وإنشاء مرصد وطني مستقل لخطاب الكراهية، ووضع ميثاق أخلاقي للإعلام.
كما دعا القيادات الدينية إلى مراجعة الخطاب الديني وتنقيته من العبارات التي تحقّر المختلف، والقيادات السياسية إلى عدم توظيف الخوف والانقسام لتحقيق المكاسب، إلى جانب تطوير إطار قانوني يميّز بين حرية التعبير والتحريض على العنف والتمييز، وإشراك الجامعات والمراكز البحثية والمجتمع المدني في دراسة الظاهرة ومواجهتها.
وأكد عبس أن مجلس كنائس الشرق الأوسط يضع محاربة الأبلسة وخطاب الكراهية ضمن مسار أوسع للحوار والتماسك الاجتماعي، إلى جانب العمل على المساحات الدينية والثقافية المشتركة وبرامج الأخوة الإنسانية.
واختتم بالتشديد على أن الكراهية ليست أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره، وإنما مسار يُصنع ويمكن مواجهته قبل أن يتحول إلى عنف، قائلاً إن المطلوب ليس مجتمعًا بلا خلاف، بل "مجتمع يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وأن ينتقد دون أن يُأبلس، وأن يدافع عن معتقده دون أن يهين معتقد الآخر". وأعرب عن تطلعه إلى أن يخرج المؤتمر بوثيقة تشكل "مرجعًا وقائيًا ضد التمزق والشرذمة" للأجيال المقبلة، خدمةً للسلم الأهلي وصيانة الكرامة الإنسانية والتماسك الاجتماعي.