موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢١ مارس / آذار ٢٠٢٦
وفاة فيلاريت مؤسس الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا عن 97 عامًا

أبونا :

 

توفي بطريرك كييف، فيلاريت، الذي عمل لعقود على تأسيس كنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة عن السلطة الدينية في موسكو، وهو انقسام نذر بالحرب الروسية الأوكرانية، يوم الجمعة عن عمر ناهز 97 عامًا. وأعلنت الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا وفاته، مشيرةً إلى "تفاقم أمراض مزمنة".

 

وخلال السنوات الأخيرة، تقلّص دور فيلاريت، مع اتساع الهوّة الثقافية والدينية بين أوكرانيا وروسيا وصولًا إلى حرب شاملة. إلا أنّ إرثه يتمثل في مسيرة طويلة، حقق خلالها نجاحًا جزئيًا، لنيل الاعتراف بكنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة.

 

وقال متروبوليت كييف، أبيفانيوس، الذي يقود الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا: "إن شخصية البطريرك الراحل فيلاريت وأعماله الكثيرة تحتل مكانة خاصة في التاريخ الحديث لكل من الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية وأوكرانيا عمومًا".

 

وأضاف أنّ فيلاريت "بذل جهودًا جبارة للحفاظ على الحياة الكنسية خلال سنوات الاضطهاد السوفياتي، وخلال النهضة الروحية في أوكرانيا، ولا سيما خلال سنوات النضال من أجل تحقيق الاستقلال الكنسي. وأشار أبيفانيوس إلى "الأحداث الصعبة" التي رافقت خلافاته السابقة مع فيلاريت، لكنه قال إنه "لطالما احترم إسهامات البطريرك فيلاريت".

 

وتوالت عبارات الرثاء من القادة السياسيين.

 

فقد عبّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن تعازيه، خلال اتصال هاتفي مع أبيفانيوس، واصفًا وفاة فيلاريت بأنها "خسارة كبيرة للأوكرانيين". وقال في بيان نُشر عبر تلغرام: "لقد كان شخصية قوية وأحد أكثر المدافعين ثباتًا عن الكنيسة الأوكرانية واستقلالها وسيادتها. ومن دون طاقته وشخصيته وشجاعته، لما تحققت العديد من إنجازات أوكرانيا".

 

 

راهب أصبح قائدًا كنسيًا في الحقبة السوفياتية

 

وُلد فيلاريت عام 1929 باسم ميخايلو دينيسينكو، في قرية بلاهوداتني بمنطقة دونيتسك في أوكرانيا. وقد أثّرت وفاة والده خلال الحرب العالمية الثانية في توجهه نحو الحياة الكهنوتية، رغم الطبيعة الإلحادية للنظام الشيوعي السوفياتي، وفقًا لما ورد في نعيه على موقع الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا.

 

دخل الحياة الرهبانية واتخذ اسم فيلاريت، ودرس وخدم في كلٍّ من روسيا وأوكرانيا (وكانتا آنذاك جمهوريتين ضمن الاتحاد السوفياتي)، كما خدم في الخارج. وأصبح أسقفًا، ومنذ ستينيات القرن الماضي تولّى منصب أبرز ممثلي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في أوكرانيا. وقد اعتُبر مرشحًا لمنصب بطريرك موسكو عام 1990، إلا أنه لم يُنتخب.

 

ومع تفكك الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا عام 1991، قاد فيلاريت حركة مماثلة في الإطار الكنسي من أجل الاستقلال. إذ ترأّس مجموعة أعلنت تأسيس كنيسة أرثوذكسية أوكرانية منفصلة - بطريركية كييف. غير أنّ الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، التي تعتبر أوكرانيا ضمن نطاق سلطتها، رفضت هذه الخطوة، وقامت بتجريد فيلاريت من رتبته الكهنوتية وحرمانه كنسيًا، وهو ما رفض الاعتراف به.

 

وفي عام 2018، اندمجت كنيسته مع كنيسة منشقة أخرى، وحصل فيلاريت على لقب "بطريرك فخري". وفي عام 2019، نالت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الموحّدة اعترافًا رسميًا من بطريرك القسطنطينية المسكوني برثلماوس، الذي قبل أيضًا طعن فيلاريت واعتبر قرار حرمانه الصادر عن موسكو باطلًا.

 

 

بُعد ديني في الانقسام الأوكراني-الروسي

 

يُعدّ البطريرك المسكوني "الأول بين متساوين" في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، إلا أنه لا يمتلك سلطة شبيهة بسلطة البابا على سائر البطاركة. وقد رفضت بطريركية موسكو صلاحية برثلماوس للنظر في طعن فيلاريت أو الاعتراف بالكنيسة الجديدة.

 

ونتيجة لذلك، باتت في أوكرانيا كنيستان رئيسيتان متنافستان: الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية. وقد اتهمت الحكومة الأوكرانية الأخيرة بالحفاظ على روابط مع موسكو، وهو ما تنفيه الكنيسة. وأضفى الاعتراف بالكنيسة المنشقة بُعدًا دينيًا على التصدّع المتزايد بين أوكرانيا وروسيا، حتى إن قادة سياسيين ودينيين روسًا حمّلوا الولايات المتحدة مسؤولية المساهمة في ذلك.

 

وبعيد إنشاء الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، نشب خلاف بين فيلاريت وأبيفانيوس حول هيكليتها وقيادتها، حيث سعى فيلاريت إلى إحياء بطريركية كييف. وفي عام 2020، قرر مجمع الكنيسة تعليق مشاركته. إلا أنّ الطرفين اتجها لاحقًا نحو المصالحة، حيث التقيا أواخر عام 2025 وصلّيا معًا من أجل انتصار أوكرانيا في حربها مع روسيا.

 

ونعت الكنيسة فيلاريت بلقب "قداسة البطريرك فيلاريت، بطريرك كييف وعموم روسيا-أوكرانيا".