موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ألقى واعظ القصر الرسولي الأب روبرتو بازوليني، التأمل الثاني من سلسلة التأملات الأربع للزمن الأربعيني في قاعة بولس السادس في الفاتيكان، بحضور البابا لاون الرابع عشر. وتُعقد هذه التأملات كل يوم جمعة حتى 27 آذار، وتتمحور حول الشعار: «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة».
وقد تناول الراهب الكبوشي في تأمله موضوع «الأخوّة – نعمة ومسؤولية الشركة الأخوية». وقال إنّ الأخوّة ليست مكملاً في الحياة الروحية، ولا مجرد سياق ملائم يساعد الإنسان على النمو في النعمة بسهولة أكبر، بل هي المكان الذي يحدث فيه الارتداد الحقيقي. وأضاف أنها تمثّل «ساحة الاختبار الأكثر جدية، وفي الوقت عينه العلامة الأكثر بلاغة على ما يستطيع الإنجيل أن يصنعه في حياتنا».
وفي تأمله، استعاد الأب بازوليني حياة الجماعات الفرنسيسكانية الأولى التي أرادها القديس فرنسيس الأسيزي خالية من علاقات السلطة أو الاستعلاء، على مثال الجماعات المسيحية الأولى. وأوضح أن هذه الجماعات لم تكن أماكن «للجوء إليها من أجل العيش بسلام»، بل كانت سياقات تقود الإنسان إلى «أعماق قلبه»، بكل ما فيه من ظلال وقلق. وقال: «الإخوة عطية من الرب. لكن لهذا السبب بالذات، لا يقتصر دورهم على مساعدتنا أو دعمنا في الطريق، بل إنهم وُضعوا في حياتنا لكي تتغيّر حياتنا».
وتوقف واعظ القصر الرسولي عند المعنى الاشتقاقي لكلمة «أخ» في اليونانية adelphós، أي «الآتي من الرحم نفسه»، مشيرًا إلى أن الإخوة لا يكتفون بتأكيد «ما نحن عليه»، بل يدعوننا إلى التحوّل. وفي تنوّعهم ومحدوديتهم، وأحيانًا حتى في صراعاتهم، يصبحون المكان الملموس الذي يعمل فيه الله على إنسانيتنا، فيليّن قساوتنا ويعلّمنا أن نعيش بقلب أكثر صدقًا وقدرة على المحبة.
وأشار إلى أن إحدى القصص التي تصف هذه المقاومة بوضوح هي العلاقة «المؤلمة» بين قايين وهابيل، معتبرًا أن الانقسام بينهما ينشأ من «مشكلة في النظرة». ففي رواية سفر التكوين، قدّم الأخ الأول أبكار قطيعه، وهي تقدمة «نظر إليها الله بعين الرضا»، بينما قدّم الثاني بعضًا من ثمار الأرض. وأوضح أن الفرق لا يكمن كثيرًا في نوعية التقدمة، بل في ما إذا كانت التقدمة تعبّر حقًا عن حياة الإنسان.
وقال: «لهذا السبب لم يقبل الله تقدمة قايين، ليس لإدانته، بل ليحفّزه». وأضاف: «قبول تلك التقدمة كان سيعني تركه يعتقد أنه لا يملك حقًا شيئًا صالحًا ليقدّمه، بينما يبدو أن الله يريد مساعدته ليؤمن بأن حياته أيضًا يمكن أن تصبح عطية».
وانطلاقًا من هذا الحدث، دعا الأب بازوليني الحاضرين إلى مساءلة أنفسهم حول «من هو قايين الذي في داخلنا؟»، متسائلًا عن مقدار المساحة التي يحتلها الاستياء في قلب كل إنسان. وأوضح أن المرارة التي تنشأ فينا غالبًا ما تتغذى من إدراكنا أننا «لسنا وحدنا» وأننا «لسنا كل شيء». وقال: «عندما نعجز عن المصالحة مع هذه الحقيقة، يمكن أن يصبح حضور الآخر أمرًا لا يُحتمل».
لكن بالنسبة إلى القديس فرنسيس، تابع الأب بازوليني، لم تكن الأخوّة مشكلة ينبغي حلها، بل فرصة لتعلّم منطق الإنجيل القائم على الرحمة تجاه القريب الذي يخطئ. وأضاف أن دينامية مشابهة تظهر أيضًا في رسالة القديس بولس الرسول إلى فليمون.
وقال الراهب الكبوشي: «عندما تتصدع العلاقات وتُجرح الشركة، لا يقترح الإنجيل أولًا الدفاع عن حقوقنا. بل يدعونا إلى البحث عن الخير الأكبر الممكن دائمًا: الخير الذي يسمح لنا بأن نرى في الآخر لا خصمًا ولا مدينًا، بل أخًا محبوبًا من الرب».
وأشار واعظ القصر الرسولي إلى أن هذا الواقع قد يبدو بعيدًا عن الحياة اليومية، لكنه يصبح ملموسًا عندما تقوم العلاقات على «رباط الحرية»، لا على التعاطف أو الانسجام الطبيعي، بل على حقيقة أن الله اختارنا ودعانا لنعيش معًا في الكنيسة كإخوة وأخوات.
وقال: «إن الفصح يبدأ بالعمل في داخلنا عندما نكتشف أننا قادرون على استقبال الآخرين حتى عندما يجرحوننا أو يخيّبون آمالنا أو يتصرفون كخصوم لنا. ليس لأننا أصبحنا أقوى أو أكثر فضيلة، بل لأن شيئًا ما في داخلنا قد مات، وشيئًا جديدًا بدأ يعيش».
وأضاف الأب بازوليني أن حدس القديس فرنسيس يكمن في رؤية أن التوبة تنشأ تحديدًا من خلال ما يفعله الآخرون بنا، حتى عندما يجرحوننا أو يضعوننا على المحك. وهذا يوسّع آفاقنا كثيرًا. واعترف بأن صعوبات الأخوّة في الحياة اليومية قد تكون ثقيلة، لكنه شدّد على أنه «لهذا السبب بالذات يجب ألا نفقد الأفق أبدًا». وحذّر قائلاً: «عندما نفقد منظور الحياة الأبدية، تصبح بعض الصعوبات غير مقبولة إطلاقًا».
وفي ختام تأمله، أكّد الأب بازوليني أن الإيمان لا يفصل بين الناس، بل يذكّرنا بأن «لا أحد يمكن استبعاده من قلوبنا». وبقيامة يسوع تحرّرنا، لا من الجهد الذي تتطلبه العلاقات، بل من الشك في أن هذا الجهد بلا جدوى. وقال: «لهذا السبب، وفي أيام الصوم هذه، فيما يظل تاريخ العالم موسومًا بالانقسامات والحروب والصراعات، لا يمكننا نحن المسيحيين أن نكتفي بالحديث عن الأخوّة كفكرة مثالية يجب تحقيقها». وأضاف: «نحن مدعوون لأن نقبلها كعطية، وفي الوقت عينه أن نحملها كمسؤولية جدية وملحّة».