موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في سنوات دراستي في الإكليريكية (1964-1973) كان يسكنني حلم لم يغادر مخيلتي يومًا؛ كانت "الغيرة الرسولية" تشتعلُ في داخلي كجمرة لا تنطفئ، وكان طموحي أن أكون مرسلاً يحمل شعلة الإيمان إلى ربوع القارة الأفريقية. أتذكر جيدًا تلك اللحظة التي قررنا فيها إرسال هدية رمزية إلى إحدى البعثات هناك: تمثال للسيدة العذراء والطفل الإلهي، منحوت من خشب الزيتون الأصيل. كان ذلك الخشب يمثل لنا رائحة الأرض المقدسة وبركتها، أردنا أن نبعث لهم بقطعة من جسد مسقط رأس المسيح له المجد لتؤنس وحدتهم في الرسالة.
لم يمضِ وقت طويل حتى جاءنا الرد، وكان "ردًّا بالمثل" في الروح والمحبة. استلمنا منهم تمثالاً للعذراء والطفل، لكنه كان بملامح أفريقية خالصة؛ لونًا وشكلاً وتقاسيمًا. في ذلك الوقت، كانت مخيلتي كشاب إكليريكي تحصر صورة أفريقيا في شعب يحتاج إلى العون، وكنت أظن أن الوجوه "البيضاء" هناك لا تعدو كونها وجوه الكهنة والراهبات المرسلين أو البعثات الطبية والخيرية الذين نذروا نفوسهم لخدمة هذه المناطق النائية والمنسية من العالم.
اليوم، وبعد مضي عقود طويلة، وأنا أعيش هنا في الولايات المتحدة، أقف مذهولاً أمام حكمة الخالق وتدبيره. لقد دارت الدائرة، ومن كنا نرسل إليهم بالأمس، أصبحوا هم اليوم الرعاة والقادة الروحيين لنا.
في كنيسة من الكنائس المحلية هنا في أمريكا، حيث نذهب للصلاة، من وقت لآخر، بالاضافة إلى كنيستنا العربية في بومونا، قابلت ستة كهنة، والمفارقة الجميلة أنهم جميعًا من نيجيريا. هؤلاء الكهنة لا يحملون الرتبة الكهنوتية فحسب، بل يحملون تلك "الغيرة الرسولية" السامية التي كنت أحلم بها قديمًا.
إنهم يتصفون بإيمان عميق، والتزام صلب برسالتهم، وقدرة فريدة على لمس قلوب المؤمنين بكلمة الله. ويتميزون بصوتهم الجميل بالترتيل، والخشوع الظاهر، فلدى السجود أمام بيت القربان الأقدس لا يكتفون بالركوع بل يحنون رؤوسهم أيضًا احترامًا وتواضعًا.
وأعجبني من أحدهم أنه يستعمل اللغة اللاتينية في الفقرات التي يتوجه بها الى المؤمنين، ولم يتردد بترتيلها باتقان وبشكل رائع. أما الوعظة، فهي تأتي من صميم القلب، دون أن يكون معهم أوراق، بل يكتفون بالنظر إلى القراءات الخاصة حسب الليتورجية (القراءات والإنجيل)، وتنساب كلماتهم كالماء ببساطةٍ وتعمقٍ في نفس الوقت.
إن هذا المشهد يجعلني أدرك يقينًا أن الساعات الطويلة من الصلوات، والدموع التي ذرفتها الرهبانيات والجمعيات الدينية في الماضي البعيد من أجل القارة السمراء قد أتت ثمارها، فالثمار الطيبة لا تضيع ، تلك البذور التي زُرعت بجهد وصمت، نمت وأصبحت أشجارًا باسقة، وها نحن اليوم في بلاد المهجر ننعمُ بظلالها ونقتاتُ من ثمار إيمانها.
لقد استجاب الله لتلك التضرعات، فما كنا قد أرسلناه إليهم من "خشب زيتون" صامت، عاد إلينا اليوم "حجارةً حيةً" تخدمُ المذبح، وتقود الكنيسة نحو آفاق جديدة من القداسة والغيرة الروحية. إنه الحصاد المبارك الذي يثبت أن الكنيسة جسد واحد، وأن المحبة التي نزرعها في جهة من العالم، ستعود لتغمرنا بالبركة في جهة أخرى.
فطوبى لتلك الحقول التي أثمرت ثمارًا سخية، وطوبى لمن يعانون من الاضطهاد الديني هناك، فإن لهم ملكوت السموات حسب الوعد الإلهي.