موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
وسط الدمار الذي خلّفته الحرب في بلدة زوطر الغربية جنوب لبنان، يحاول دير سيدة البشارة التابع لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة أن يستعيد حياته ورسالته. فالصرح الذي أصابته أضرار جسيمة خلال العمليات العسكرية، وشهد لاحقًا اقتحامًا وتخريبًا، بدأ إزالة الركام وترميم ما دُمّر، فيما كانت عودة الصلاة إليه واحدة من أولى علامات عودة الحياة إلى البلدة.
وتكتسب قصة الدير دلالة خاصة في زوطر الغربية، إحدى البلدات التي بدأ الجيش اللبناني الانتشار فيها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ضمن ما عُرف بـ«المناطق التجريبية». وقد وثقت وكالة رويترز في أواخر تموز انتشار الجيش اللبناني في البلدة وعودة السكان لتفقد منازلهم، وسط مشاهد دمار واسع وأعمال لإزالة الأنقاض.
يقع دير سيدة البشارة عند المدخل الغربي لزوطر الغربية، ويتألف من ثلاث طبقات كبيرة تضم كنيسة، فيما خُصصت الطبقة الأرضية لمدرسة مهنية زراعية.
وبحسب ما أوضحه القيّم على الدير، المرسل اللبناني الأب عمر الهاشم، لصحيفة «النهار»، تأسس الدير عام 2008 بمبادرة من الرئيس العام السابق لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة الأب إيلي ماضي، وبهبة من دولة قطر. وكان الهدف أن يشكّل الدير والمدرسة مساحة للخدمة والرسالة، ولا سيما عبر تعليم أبناء المنطقة أساليب الزراعة الحديثة، نظرًا إلى اعتماد عدد كبير من السكان على القطاع الزراعي.
وفي عام 2024، كلّفت الجمعية الأب الهاشم العمل على إعادة ترميم الدير. وبعد نحو سنة من الأعمال، قدّمت جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة طابقًا مجانًا إلى المدرسة المهنية الزراعية الرسمية، تمهيدًا لاستقبال طلاب المنطقة. لكن الحرب بدّلت المشهد.
لم ينجُ الدير من العمليات العسكرية التي أصابت زوطر الغربية. وبحسب تقرير «النهار»، تعرض الصرح لقصف بالمدفعية والأسلحة الرشاشة الثقيلة، ثم للاقتحام والتخريب، ما ألحق أضرارًا جسيمة بجدرانه وقاعاته ومحتوياته. وقال الأب الهاشم إن الأضرار التي لحقت بالمبنى «كبيرة جدًا»، مشيرًا إلى أن الحرب لم توفر أماكن العبادة في المنطقة.
وتنسجم صورة الدير المتضرر مع المشهد الأوسع في زوطر الغربية. فقد وثقت رويترز في 26 و27 تموز دمارًا واسعًا في البلدة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني، ونشرت صورًا لمبانٍ متضررة وركام في الطرقات، فيما بدأ السكان العودة لتفقد ممتلكاتهم وتنظيف ما أمكن إنقاذه.
ومع دخول الجيش اللبناني وانتشاره في زوطر الغربية، بدأ الأب عمر الهاشم، بمساعدة متطوعين من أبناء البلدة، تنظيف الدير ورفع الأنقاض. لكن أول ما عاد إلى الدير لم يكن نشاطًا إداريًا أو تربويًا، بل الصلاة.
فقد ترأس الأب الهاشم قداسًا على نية شهداء الجيش اللبناني، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي كان يتفقد الوحدات العسكرية المنتشرة في المنطقة. وقال الأب الهاشم إن العمل بدأ بالتنظيف ورفع الأنقاض، مؤكدًا تصميم الجمعية على استكمال إعادة الإعمار وإعادة الدير إلى رسالته.
زوطر الغربية ليست اليوم بلدة استعادت حياتها الطبيعية بالكامل. فعلى الرغم من انتشار الجيش اللبناني وبدء عودة الأهالي وإزالة الركام، شهدت المنطقة في 8 آب توغلًا إسرائيليًا جديدًا باتجاه البلدة، مع إقامة ساتر ترابي جديد، وفق تقارير نقلت عن وسائل إعلام ومسؤولين محليين.
وهكذا تجري محاولة إعادة الحياة إلى الدير والبلدة وسط واقع أمني لا يزال هشًا: ركام يُرفع، بيوت تُفقد، وأهالٍ يحاولون العودة، فيما يستعيد دير سيدة البشارة شيئًا فشيئًا دوره الروحي والتربوي.
أما الأب عمر الهاشم، فيختصر الرجاء الذي يقف خلف أعمال الترميم: أن يعود الدير إلى رسالته، وأن تستعيد المدرسة المهنية دورها، وأن يعود أهالي زوطر الغربية وأبناء الجنوب إلى قراهم، وأن يحل الأمن والاستقرار في لبنان.