موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٦ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
مسيحيو جنوب لبنان يخشون العزلة مع اقتراب انسحاب اليونيفيل
نحو 6 آلاف شخص ما زالوا في رميش داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل.. والأب نجيب العميل: ماذا سيحدث لنا؟

أبونا :

 

تتزايد المخاوف في البلدات المسيحية الواقعة جنوب لبنان، ولا سيما بلدة رميش، مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية العام الحالي، في وقت يعيش فيه آلاف السكان داخل المنطقة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، وسط صعوبات متزايدة في التنقل ووصول المواد الغذائية والوقود.

 

وفي تقرير ميداني نشرته وكالة رويترز، الأربعاء 16 أيلول، نقل مراسلوها الذين رافقوا جنودًا فرنسيين من اليونيفيل صورة لبلدات وقرى في جنوب لبنان بعد أكثر من ستة أشهر من القصف وعمليات الهدم الإسرائيلية، حيث هُجّرت مناطق واسعة وأصبحت طرق عدة شبه خالية، فيما يخضع الدخول من بقية الأراضي اللبنانية إلى المنطقة لنقاط تفتيش إسرائيلية أُنشئت حديثًا. وتمكنت رويترز، برفقة قوات حفظ السلام الفرنسية، من الوصول إلى رميش، إحدى ثلاث بلدات ذات غالبية مسيحية بقي سكانها فيها بعد إقامة إسرائيل ما تسميه «منطقة أمنية» في جنوب لبنان.

 

ومنذ سيطرة إسرائيل على المنطقة، تؤدي اليونيفيل دورًا مهمًا في مرافقة قوافل تحمل المواد الغذائية وغيرها من الاحتياجات إلى البلدات المسيحية. لكن المهمة الأممية، التي بدأت قبل نحو خمسة عقود، تستعد للانتهاء مع نهاية العام، ما يثير مخاوف السكان من فقدان أحد أهم الروابط التي لا تزال تصلهم ببقية لبنان. ويعيش في رميش حاليًا نحو 6 آلاف شخص، ما يجعلها أكبر تجمع سكاني باقٍ داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل.

 

وقال المدرس جورج إبراهيم، 45 عامًا، من أبناء البلدة: «ماذا سيحدث لنا؟ ماذا سيحدث لأصحاب المحال والتجار؟ إذا أرادوا إحضار بضائع من بيروت إلى هنا، فكيف ستصل هذه البضائع؟». وأضاف واصفًا واقع السكان: «نعتبر أنفسنا نعيش في سجن كبير، معزولين. من دون اليونيفيل، لا أعرف ماذا سيكون المستقبل».

 

 

المواد الغذائية والوقود تبدأ بالنفاد

 

وتزداد المخاوف مع ظهور مؤشرات إلى نقص بعض الاحتياجات الأساسية في البلدة. فبحسب رويترز، أُلغيت الأسبوع الماضي في اللحظات الأخيرة قوافل مساعدات وبضائع كان تجار محليون يعتزمون إدخالها إلى رميش، من دون تحديد سبب واضح.

 

وقال السكان إن مخزون الخضراوات والفواكه الطازجة والوقود بدأ يتراجع. ووجد مراسلو الوكالة أن محال الخضراوات والفواكه في وسط البلدة كانت مغلقة، فيما لم يبقَ في متاجر أخرى سوى مواد غير قابلة للتلف على رفوف نصف فارغة.

 

وفي أحد المشاهد التي نقلها التقرير، استخدم شاب يعمل في محل للفلافل آخر حبات الطماطم المتبقية لديه لإعداد شطيرة، بينما كانت أصوات النشاط العسكري الإسرائيلي في مناطق أخرى من الجنوب تُسمع في رميش.

 

في المقابل، قال مسؤول عسكري إسرائيلي لرويترز إن إسرائيل لا تعتبر دور اليونيفيل حيويًا للجهود الإنسانية، وإنها تعمل على «تسهيل الأمور للسكان». وأضاف أن الوجود الإسرائيلي في «المنطقة الأمنية» يهدف إلى إخلائها من حزب الله، وأن إسرائيل لا تريد البقاء فيها على المدى الطويل ولا تنوي إقامة قواعد دائمة.

 

 

المدنيون يحتاجون إلى دعم اليونيفيل

 

وتأسست اليونيفيل عام 1978، عقب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وكان من المقرر في البداية أن تستمر مهمتها ستة أشهر للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي، قبل أن يجري تجديد ولايتها مرارًا. وبعد حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، توسعت مهام القوة لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية والمساهمة في ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.

 

وقال النقيب جوليان، الذي يقود سرية استطلاع فرنسية ضمن اليونيفيل: «المدنيون يحتاجون إلى دعم اليونيفيل، وهذا ما نقدمه». وأضاف: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟ لا أعرف، لكنني آمل أن نجد طريقة أخرى تتيح للمدنيين عبور الخطوط الإسرائيلية والعيش بسلام»، مشيرًا إلى الحاجة إلى مرافقة أمنية لعبور نقاط التفتيش الإسرائيلية العديدة في المنطقة.

 

 

أكثر من 7500 جندي يستعدون للمغادرة

 

ويقع حاليًا أكثر من نصف القواعد التابعة لليونيفيل، والبالغ عددها نحو 50 قاعدة، داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، بما فيها مقر القوة في الناقورة، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر نقطتي تفتيش عسكريتين إسرائيليتين. وفي حال عدم تمديد المهمة، ستبدأ اليونيفيل اعتبارًا من الأول من كانون الثاني إغلاق قواعدها تدريجيًا، على أن يغادر أكثر من 7500 جندي من نحو 50 دولة، وتسلم المواقع إلى الجيش اللبناني.

 

وقالت المتحدثة باسم اليونيفيل، كانديس أرديل: «لدينا خطة للانسحاب، وستشمل إعادة تسليم المواقع إلى القوات المسلحة اللبنانية». وأضافت أنه ستتم دراسة التفاصيل في ضوء الوضع القائم حينها، لكنها أكدت أن «الخلاصة هي أننا سنضطر إلى إعادة تسليم هذه المواقع».

 

وتتجاوز تداعيات الانسحاب الجانب الإنساني، إذ يحذر أشخاص قريبون من المهمة من أن مغادرة اليونيفيل قد تعني أيضًا خسارة ما وصفوه بـ«عيون العالم وآذانه» في جنوب لبنان. فالقوة الأممية تراقب منذ سنوات تبادل إطلاق النار والانتهاكات على طول الخط الأزرق، كما ساهمت هذا العام في تمكين موظفين أمميين من الوصول إلى مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية للتحقيق في انتهاكات محتملة للقانون الدولي.

 

وقال مسؤول أممي كبير لرويترز إن اليونيفيل تحتفظ بوثائق تعود إلى عقود، تشمل محاضر اجتماعات وأعمالًا وقياسات وخرائط مرتبطة بالخط الأزرق، ما يثير تساؤلات بشأن مصير هذه السجلات في هذه المرحلة الحساسة.

 

 

محاولات لتمديد المهمة

 

وتجري في لبنان تحركات في محاولة للإبقاء على اليونيفيل بعد نهاية العام، بعدما وقّع ثلثا أعضاء مجلس النواب اللبناني الشهر الماضي عريضة تطالب بتمديد مهمتها، فيما اعتبر الرئيس اللبناني جوزاف عون أن التمديد هو «الخيار الأول» للبنان.

 

لكن دبلوماسيين تحدثوا إلى رويترز اعتبروا أن احتمال التمديد ضعيف. وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد طرح في حزيران عدة خيارات لمستقبل وجود أممي بزي رسمي في لبنان، من دون أن يتخذ مجلس الأمن قرارًا بشأنها حتى الآن.

 

 

كاهن رميش: ماذا سيكون مصيرنا؟

 

ومع اقتراب موعد انسحاب القوات الدولية، تبقى المخاوف الأكبر لدى سكان رميش مرتبطة بمصير البلدة وعلاقتها ببقية الأراضي اللبنانية.

 

وقال الأب نجيب العميل، كاهن رعية رميش، الذي يتذكر وصول قوات اليونيفيل للمرة الأولى قبل نحو خمسين عامًا، إن ضعف التواصل مع بقية البلاد يثير لدى السكان أيضًا خشية من أن ينظر إليهم لبنانيون آخرون على أنهم «متعاونون».

 

وطرح الأب العميل سلسلة أسئلة تلخص القلق الذي يعيشه أبناء البلدة: «هل ستتركنا إسرائيل هنا أم ستطردنا؟ وإذا سمحت لنا بالبقاء، فكيف سيكون وضعنا؟ إداريًا، هل سنكون معها أم مع لبنان؟».