موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٢ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
مدرستان مسيحيتان تعودان إلى الحياة بعد عقود من الإغلاق
مدرستا «تراسنطا» في القنية واليعقوبية تستقبلان 80 طالبًا حاليًا وتتطلعان إلى 300.. والمطران حنا جلوف: علينا أن نعلّم الشباب «مهنة السلام» بدلًا من الحرب

أبونا :

 

بعد عقود من الإغلاق وسنوات طويلة من الحرب، عادت مدرستا «تراسنطا» (الأرض المقدسة) في قريتي القنية واليعقوبية المسيحيتين بمحافظة إدلب السورية إلى الحياة، في خطوة يقودها رهبان حراسة الأراضي المقدسة لإعادة التعليم إلى المنطقة وفتح نافذة جديدة أمام العائلات التي بدأت بالعودة إلى قراها.

 

وافتُتحت المساحات التعليمية الجديدة يوم الأحد 20 أيلول، بحضور سلطات مدنية ودينية، بعد أعمال ترميم أعادت تأهيل نحو 80% من المدرستين. ويبلغ عدد الطلاب حاليًا نحو 80 طفلًا وفتى، فيما يُتوقع أن ترتفع القدرة الاستيعابية إلى قرابة 300 طالب بعد اكتمال أعمال الترميم العام المقبل، على أن تبقى أبواب المدرستين مفتوحة أمام المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

 

 

من ملجأ للنازحين إلى مدرسة

 

وأوضح كاهن رعية القنية، الأب خوكاز مسروب الفرنسيسكاني، أن رهبان حراسة الأراضي المقدسة أسسوا مدارس في قرى شمال سوريا منذ عقود، مشيرًا إلى أن المدارس أُنشئت عام 1958، قبل أن تتوقف عن أداء رسالتها التعليمية في سبعينيات القرن الماضي.

 

وخلال سنوات الحرب، تحولت إحدى المدارس إلى ملجأ للنازحين لنحو عشر سنوات. ومع تغير الظروف وعودة السكان، بدأ الرهبان إعادة تأهيل المباني تدريجيًا، بعدما كانت إحدى المدارس قد استأنفت نشاطًا محدودًا خلال الحرب بنحو 20 طالبًا فقط.

 

وقال الأب مسروب إن الرهبان أرادوا إشعال «نور من الرجاء» وسط الظروف القاسية، فبدأوا أعمال الترميم بالتعاون مع حراسة الأراضي المقدسة وجمعيات كنسية ومؤسسة برو تراسنطا.

 

 

100 فرصة عمل و25 معلّمًا من أبناء القرى

 

ولم تقتصر أعمال إعادة التأهيل على المدارس، إذ وفرت أيضًا فرص عمل لنحو 100 شخص من أبناء المنطقة، بين كهربائيين ونجارين وعمال وفنيين، ما وفر مصدر دخل لنحو مئة عائلة في مرحلة حساسة من إعادة بناء البلاد.

 

كما يعمل اليوم في المدرستين 25 معلّمًا في تخصصات تشمل اللغة الإنجليزية والرياضيات والكيمياء والأحياء، وجميعهم من أبناء القرى المسيحية. وأشار الأب مسروب إلى أن عددًا من المعلمين الشباب عادوا إلى سوريا بعد الحرب للمساهمة في إعادة بناء مجتمعاتهم.

 

ويتوزع الطلاب بين المدرستين بحسب أعمارهم؛ إذ تستقبل مدرسة اليعقوبية الأطفال من سن الثالثة حتى العاشرة، فيما تستقبل مدرسة القنية الطلاب من سن العاشرة حتى السابعة عشرة.

 

 

أبواب مفتوحة للمسيحيين والمسلمين

 

وأكد الأب مسروب أن المدارس الفرنسيسكانية في سوريا كانت دائمًا مفتوحة للجميع، مشيرًا إلى أن رسالتها التعليمية تشكل أيضًا مساحة للحوار والتعايش بين المسيحيين والمسلمين.

 

واستذكر لقاءه بأحد شيوخ المنطقة، الذي أخبره بأنه درس في مدرسة «الأرض المقدسة» قبل إغلاقها، وأن والد الأب مسروب نفسه كان معلّمه للغة الإنجليزية، في مثال على الدور الذي أدته المدارس المسيحية في تعليم أبناء المجتمع المحلي بمختلف انتماءاتهم.

 

وقال إن المدارس الفرنسيسكانية تسعى إلى تعليم الأطفال احترام الآخر والمحبة والإحسان إلى القريب، لتصبح التربية جسرًا للحوار بين العائلات المسيحية والمسلمة.

 

 

علينا أن نعلّمهم مهنة السلام

 

من جهته، شدد النائب الرسولي للاتين في حلب، المطران حنا جلوف، على أن إعادة المدارس تشكل خطوة أساسية في إعادة بناء سوريا، قائلًا: «المدرسة هي حجر الزاوية الأول لإعادة بناء البلاد. فمن دون التعليم لا يستطيع الناس أن يكون لهم مستقبل». وأضاف: «خلال سنوات طويلة من الحرب، لم يتعلم الشباب سوى مهنة الحرب. علينا أن نجعلهم يتعلمون مهنة السلام والعيش معًا».

 

بدوره، أكد حارس الأراضي المقدسة، الأب فرنشيسكو يلبو، أن إعادة بناء المدرسة تتجاوز ترميم المباني، وقال: «إنها تعني أن نعيد إلى الأطفال مكانًا يستطيعون فيه النمو والتعلم والحلم»، معتبرًا أن البقاء إلى جانب السكان ومشاركتهم التعب وإعادة بناء الرجاء معهم يمثل أحد أجمل وجوه الحضور الفرنسيسكاني.

 

 

العائلات المسيحية تعود

 

وتعيش اليوم في القنية واليعقوبية والقرى المجاورة نحو 200 عائلة، أي ضعف العدد الذي بقي في المنطقة خلال سنوات الحرب.

 

ووصف الأب مسروب إعادة افتتاح المدرستين وما رافقها من عودة للحياة بأنها أشبه بمعجزة، قائلًا إن المنطقة التي عاش سكانها اليأس والإرهاق بدأت اليوم من جديد، مضيفًا: «كنا شبه أموات ويائسين، لكن أن ننطلق ونولد من جديد هو حقًا معجزة».

 

وأكد أن الرهبان والمؤسسات الشريكة يواصلون العمل لمساعدة السكان على الاستقرار والبقاء في قراهم، فيما يواصل الأهالي حياتهم، على حد تعبيره، «بالإيمان والرجاء».