موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٦ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
كاريتاس بولندا تساعد المسيحيين على البقاء في سوريا رغم الظروف الصعبة
في الذكرى العاشرة لبرنامج "عائلة لعائلة"، كاريتاس بولندا تساعد العائلات السورية على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والبقاء في وطنها، وسط تراجع حاد في أعداد المسيحيين.

أبونا :

 

بفضل المساعدة التي تلقّاها من كاريتاس بولندا، تمكّن شاب سوري من افتتاح ورشة لتصليح السيارات، لكنّ ما حقّقه تجاوز تأمين مصدر رزق، إذ أصبح قادرًا أيضًا على الزواج وتأسيس عائلة. ويروي هذه القصّة دومينيك ديرليتسكي، رئيس بعثة كاريتاس بولندا في لبنان وسوريا، في حديث إلى فاتيكان نيوز، بمناسبة الذكرى العاشرة لإطلاق برنامج "عائلة لعائلة"، مسلّطًا الضوء على التراجع الحاد في أعداد المسيحيين في سوريا، وأهميّة المساعدات القادمة من بولندا في تمكينهم من البقاء في وطنهم.

 

 

ورشة غيّرت حياته

 

تعرّف ديرليتسكي إلى قصّة هذا الشاب عام 2021، بعدما استفاد من برنامج "عائلة لعائلة" لافتتاح ورشته الخاصة لتصليح السيارات. وكان الشاب يخطّط للزواج، غير أنّ ظروفه الماليّة الصعبة حالت دون ذلك.

 

ويوضح ديرليتسكي أنّ أهل الفتاة لم يوافقوا في البداية على زواج ابنتهما منه، لأنّه لم يكن يمتلك مصدر دخل يستطيع من خلاله إعالتها وتأسيس أسرة. لكنّ الوضع تغيّر عندما بدأت الورشة تؤمّن له دخلًا ثابتًا، فوافق الأهل على الزواج، وتمكّن الشاب من تحقيق حلمه وتأسيس عائلته.

 

 

من تأمين الاحتياجات الأساسيّة إلى الاستقلال الاقتصادي

 

انطلق برنامج "عائلة لعائلة" عام 2016 في مدينة حلب السورية، في خضمّ الحرب التي كانت تشهدها البلاد. وفي مرحلته الأولى، ركّز البرنامج على تقديم مساعدات ماليّة مباشرة للعائلات لتمكينها من شراء المواد الغذائيّة والأدوية وتسديد الفواتير.

 

ويقول ديرليتسكي إنّ تلك المساعدات كانت تهدف أساسًا إلى تأمين مقوّمات البقاء، موضحًا أنّ البرنامج يقوم على منح العائلات حريّة تحديد أولويّاتها، سواء لشراء الطعام والأدوية، أو تسديد الفواتير، أو توفير المستلزمات المدرسيّة لأبنائها.

 

ومع مرور السنوات، وسّعت كاريتاس نطاق عملها ليشمل دعم المشاريع الصغيرة، من خلال تمويل تجهيز ورش تصليح السيارات، وعيادات طبّ الأسنان، ومحالّ صياغة المجوهرات، وغيرها من الأنشطة المهنيّة. ويهدف هذا التوجّه إلى تمكين المستفيدين من الاعتماد على عملهم الخاص بدلًا من الاستمرار في تلقّي المساعدات.

 

وبحسب كاريتاس بولندا، استفادت من البرنامج، خلال السنوات العشر الماضية، نحو 60 ألف عائلة، إلى جانب أكثر من ألفَي مشروع صغير في عدد من البلدان.

 

 

فاتورة الكهرباء قد تعادل راتبًا كاملًا

 

لا تزال الظروف المعيشيّة في سوريا ولبنان بالغة الصعوبة. ويشير ديرليتسكي إلى أنّ السكان، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينيّة، يواجهون ارتفاعًا مستمرًّا في الأسعار، إلى جانب محدوديّة الحصول على الكهرباء، التي لا تصل عبر الشبكة العامّة إلى بعض المنازل سوى لساعات قليلة يوميًّا.

 

وفي لبنان، قد تتراوح كلفة الكهرباء المولّدة بواسطة المولّدات الخاصة بين 150 و300 دولار شهريًّا، في حين تتراوح الأجور الدنيا، بحسب الأرقام التي أوردها، بين 200 و300 دولار تقريبًا.

 

وفي ظلّ هذه الظروف، تساعد المساهمات الماليّة العائلات على تسديد فواتيرها وتأمين غذائها، بينما يمنحها دعم المشاريع الصغيرة فرصة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والبقاء في أوطانها. وتكتسب هذه المساعدات أهميّة خاصة بالنسبة إلى الجماعات المسيحيّة في الشرق الأوسط، التي تشهد تراجعًا متواصلًا في أعداد أبنائها.

 

 

تراجع أعداد المسيحيين في سوريا

 

تدفع الحرب والفقر وغياب الآفاق الاقتصاديّة أعدادًا متزايدة من السكان إلى الهجرة. ووفقًا للبيانات التي أوردتها كاريتاس بولندا، انخفض عدد المسيحيين في سوريا من نحو 1.1 مليون شخص عام 2015 إلى قرابة 300 ألف حاليًّا.

 

ويحذّر ديرليتسكي من أنّ المنطقة تشهد تراجعًا في جماعات مسيحيّة تعود جذورها إلى بدايات المسيحيّة، مشيرًا إلى أنّ استمرار هذا النزيف السكاني يهدّد حضورها التاريخي في المنطقة.

 

وفي سوريا، تشكّل العائلات المسيحيّة نحو 97% من المستفيدين من برنامج "عائلة لعائلة". ويؤكّد رئيس بعثة كاريتاس بولندا أنّ العائلات المستفيدة تعبّر عن امتنان كبير للمساعدات التي تتلقّاها، غير أنّ حجم الاحتياجات يبقى أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة، واصفًا الدعم المقدّم بأنّه "قطرة في بحر الاحتياجات".

 

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، يحتاج نحو 15.6 مليون شخص في سوريا إلى مساعدات إنسانيّة خلال عام 2026، في مؤشر إلى حجم الأزمة التي لا تزال تواجهها البلاد، وأهميّة المبادرات التي تساعد السكان على تأمين سبل العيش والبقاء في وطنهم.