موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إن صورة مريم بصفتها الملكة الأم ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأول عقيدة مريمية رسمية أعلنتها الكنيسة، وهي مريم والدة الإله. فالكلمة اليونانية لهذا اللقب هي Theotokos، وتعني حرفيًا «حاملة الله». ويُعدّ هذا اللقب من أقدم الألقاب وأكثرها شيوعًا لمريم، إذ استعمله المسيحيون في القرون الأولى للكنيسة. كما يرد هذا اللقب في واحدة من أقدم الصلوات المسيحية المعروفة، وهي صلاة «تحت ستر حمايتك» (Sub Tuum Praesidium)، وهي صيغة مبكرة من صلاة «Memorare»، التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث.
لقد أطلق المسيحيون الأوائل على مريم لقب «والدة الإله» دون تردّد، إذ كان لذلك أساس كتابي ومنطق لاهوتي واضح. فإذا كان يسوع هو إله، وكانت مريم أمّه، فإنها تكون، بالضرورة، والدة الإله. ويستند هذا الاستنتاج إلى مبدأ لاهوتي يُعرف بـ«توافق المصطلحات»، والذي يقضي بأن كل ما يُقال عن إحدى طبيعتي المسيح يمكن أن يُقال حقًا عن شخصه الواحد، لأن طبيعته الإلهية وطبيعته البشرية متحدتان فيه اتحادًا أقنوميًا. فالمسيح هو شخص إلهي واحد.
غير أنّ القرن الخامس شهد اعتراضات على هذا اللقب، وهي اعتراضات شبيهة بتلك التي يثيرها بعض غير الكاثوليك اليوم. فقد رأى المعترضون أنّ لقب «أم الإله» يوحي بأن مريم هي «مصدر الإله» أو «أصل ألوهيته». واعتبروا أنّه يمكن قبول لقب «أم المسيح»، لكن ليس «أم الإله». غير أنّ جوهر هذا الاعتراض لم يكن في الحقيقة مريميًا، بل مسيحيًّا، إذ كان يمسّ بوحدة طبيعتي المسيح. فقد ادّعوا أنّ مريم ولدت الطبيعة البشرية للمسيح فقط، لا طبيعته الإلهية. إلا أنّ الكنيسة، بقيادة البابا كليستينوس الأول والقديس كيرلس الإسكندري، رفضت هذا الطرح. وأوضح القديس كيرلس أن الأم لا تلد «طبيعة»، بل تلد «شخصًا». وبناءً عليه، فإنّ مريم ولدت يسوع المسيح، الذي كان ولا يزال شخصًا إلهيًا. فهي لم «تُنشئ» الله ولم «تُولّد» ألوهيته، لكنها حملته في أحشائها وولدته، وبالتالي فهي حقًا أمّ الإله.
وقد عولج هذا الجدل رسميًّا سنة 431 في مجمع أفسس. ولم يكن الدفاع عن لقب مريم هو القضية الوحيدة المطروحة، بل كانت العقيدة المسيحية المتعلقة بطبيعتي المسيح هي المحور الأساسي للنقاش. فقد أرادت الكنيسة أن تحسم سؤالًا جوهريًا: هل يسوع شخص واحد أم شخصان؟ وبرفضها تعليم نسطوريوس الهرطوقي، أعلنت الكنيسة أن يسوع هو شخص واحد ذو طبيعتين: طبيعة بشرية أخذها من أمه، وطبيعة إلهية من الآب. صحيح أنّ مريم لم تمنح يسوع ألوهيته ولا أقنوميته الإلهية، فذلك كان له منذ الأزل بوصفه الابن الوحيد للآب، لكنها أيضًا لم تمنحه جسدًا فقط، بل ولدت الشخص بأكمله. لقد ولدت يسوع المسيح، إلهًا وإنسانًا معًا. وهذا ما نعترف به في كل مرة نتلو فيها قانون الإيمان.
إن تسمية مريم «أم الإله» تعلن حقيقة لا غنى عنها لحماية حقيقة جوهرية تتعلق بشخص المسيح. وبطريقة مماثلة، كانت أمهات الملوك في التقليد الملكي القديم يؤدين هذا الدور تجاه أبنائهن. فقد كان من بين المهام الأساسية للملكة الأم أن تكون علامة على شرعية ملك ابنها، إذ تمثّل الرابط بين الملك السابق الشرعي وابنه الملك الحاضر الشرعي. وعلى هذا النحو، فإن مريم، بصفتها العذراء «أم الإله»، هي حلقة الوصل بين ناسوت ابنها ولاهوته، والعلامة التي تؤكد أنه في آن واحد إله وإنسان.