موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يُعدّ القديس فرنسيس الأسيزي أحد أبرز الشهود على حضور الله في التاريخ الإنساني، حيث تتجاوز حياته وموته حدود الذكرى العاطفية لتصبح قراءة نبوية لوجود الإنسان في علاقته بالخالق. إنّ الاحتفال بذكراه لا يمكن أن يُختزل في مجرّد استدعاءٍ للذاكرة، بل هو دعوة إلى المشاركة الفاعلة في رسالته الروحية. ومن خلال نصوص "السيرة الثانية والأسطورة الكبرى"، يتجلّى البُعد اللاهوتي العميق الذي يربط بين خبرة فرنسيس الشخصية وبين مشروع الله في الخليقة. يهدف هذا البحث إلى إبراز مركزية الله في حياة فرنسيس، وقراءة دلالات هذه الخبرة في ضوء التحديات المعاصرة، ولا سيما خطر الاستقلالية الزائفة والعلمنة المؤمنة.
في حياة فرنسيس وموته تتجلّى بوضوح مركزية الله في تاريخ الإنسان. فموته ليس مجرّد خاتمة زمنية، بل هو خلاصة لاهوتية لحياته، وقراءة نبوية لوجودنا. وفي زمننا الراهن، يهدّد إغراء الاستقلالية الزائفة الجذور العميقة للإنسانية، فيما تذكّرنا الكنيسة بسلطانها العقائدي: «المخلوق من دون الخالق يضمحل»، حتى حيث لا يُنكر وجود الله صراحةً، يمكن أن يُعاش الواقع كما لو أنّه غائب، بل قد ينشأ شكل من العلمنة المؤمنة، حيث يُستدعى الله كوسيلة لرفاهية الإنسان، لا كأصل وجوده. فيُقرأ الله في فئة القيمة المضافة، وكأنّه عنصر زائد يحسّن الحياة إن وُجد.
في أيلول من عام 1224، اعتزل القديس فرنسيس الأسيزي جبل فيرنا (La Verna) في توسكانا، حيث كان يطلب من الله أن يثبّت قلبه في المحبة الكاملة. هناك، وبعد صومٍ دام أربعين يوماً استعداداً لعيد ميخائيل رئيس الملائكة، غمره نورٌ سماوي عجيب، وفي رؤيا مهيبة ظهر له المسيح مصلوباً على هيئة السرافيم. ومن تلك الرؤيا نال فرنسيس نعمةً فريدة في تاريخ الكنيسة: سمات المسيح المصلوب، أي الجروح المقدسة في يديه ورجليه وجنبه، التي بقيت واضحة في جسده حتى وفاته بعد سنتين. هذه العلامة لم تكن مجرد ظاهرة جسدية، بل شهادة روحية على عمق اتحاده بالمسيح، حتى صار هو نفسه أيقونة حيّة للصليب.
بعد حادثة السمات، عاد فرنسيس إلى أسيزي مثقلاً بالمرض وضعف الجسد، وقد فقد بصره تدريجياً، لكنه ظلّ محتفظاً بفرح داخلي وسلام عميق. في تلك الفترة الأخيرة من حياته، كان يعلّم إخوته بالصبر والرجاء، مؤكداً أن الألم ليس عائقاً أمام المحبة بل طريقٌ إلى الاتحاد بالله. وقبل موته، طلب من رهبانه أن يحملوه إلى كنيسة سيدة الملائكة (Portiuncula)، المكان الذي فيه اكتشف الدعوة الإنجيلية للمرة الأولى، ليختم حياته حيث بدأها. وهناك، في فعلٍ رمزي عميق، طلب أن يُوضَع عارياً على الأرض العارية، مشابهاً المسيح الفقير والمصلوب في موته، كما كان شبيهاً له في حياته.
في مساء يوم السبت، الرابع من تشرين الأول عام 1226، وسط جوٍ من التقوى الممزوجة بالألم والعزاء، أسلم فرنسيس روحه إلى السماء وهو يرنّم المزامير، محاطاً بإخوته الذين كانوا يشهدون على عبوره من الأرض إلى المجد الأبدي. لم يكن موته نهاية، بل بداية إشعاعٍ جديد لرسالته الإنجيلية في العالم. وبعد عامين فقط، أعلن البابا غريغوريوس التاسع قداسته، مؤكداً أن حياة فرنسيس وموته هما شهادة حيّة على الإنجيل، وأنه صار شفيعاً للكنيسة الجامعة.
نقرأ رواية انتقال القديس فرنسيس:
"كان جميع الإخوة مجتمعين حوله؛ فمدّ يديه فوقهم مشبكًا ذراعيه على هيئة صليب، وهي إشارة كان يحبّها كثيرًا، وباركهم، الحاضرين منهم والمستقبليّين، بقوّة وباسم المصلوب. ثم طلب أن يُؤتى إليه بالخبز، فباركه وكسره وأعطى كلّ واحد منهم قطعة ليأكلها. وأراد أيضًا أن يُحضَر إليه كتاب الأناجيل، وطلب أن يُقرأ له ذلك المقطع من إنجيل يوحنا الذي يبدأ بعبارة: «قبل عيد الفصح». فعل ذلك تذكارًا لتلك العشاء الأخير الأقدس الذي احتفل به الرب مع تلاميذه، ولإظهار محبّته الرقيقة لإخوته. ثم قضى الأيام التالية في تراتيل التسبيح، داعيًا رفقاءه المقرّبين إلى أن يشاركوه في تمجيد المسيح. وكان يدعو أيضًا جميع المخلوقات إلى تسبيح الله، وبأبيات شعرية كان قد ألّفها من قبل، يحثّها على المحبّة الإلهية. وحتى الموت، التي هي عند الجميع رهيبة ومكروهة، كان يحثّها على التسبيح".
يُعدّ هذا النصّ الانتقال القديس فرنسيس من أعمق الشهادات الروحية التي تركها التراث الفرنسيسكاني، إذ لا يقتصر على سرد حدث الموت، بل يقدّمه كمشروع لاهوتي يهدف إلى إظهار فرنسيس كصورة حيّة للمسيح، بحيث يصبح موته امتدادًا لصليب الرب وعشائه الأخير، ومثالًا للاتحاد الكامل بالله. أمام هذا المشهد، فرنسيس يطلب أن يُسند عاريًا، فهو ذو دلالة رمزية قوية: العُري هنا ليس مجرّد حالة جسدية، بل علامة على الولادة الجديدة. فالموت يُفهم كولادة ثانية، شبيهة بولادة الطفل، حيث يدخل الإنسان إلى الحياة الأبدية بلا امتلاك أو تملّك، بل في حالة فقر مطلق أمام الله. هذا ينسجم مع الروح الفرنسيسكانية التي ترى في الفقر والعُري تحرّرًا من كل قيد مادي، واستعدادًا للاتحاد بالله. من هنا نفهم لماذا سمّى فرنسيس الموت "أختًا". فالموت، الذي عادة يُنظر إليه كعدو أو جلاد، يصبح في هذا المنظور شريكًا في الولادة الجديدة، ووسيلة للعبور إلى الله. إنّه ليس نهاية مأساوية، بل لحظة لقاء، حيث تتحوّل الرهبة إلى رجاء، والخوف إلى محبة.
إنّ حياة القديس فرنسيس الأسيزي وموته تكشفان أنّ اللقاء بالمسيح هو العلاقة الحاسمة في حياة الإنسان. فالعلاقة بالخليقة لا تُختزل في البحث عن صيغة بيئية للوجود، بل تُعاش في أفق الخلاص، حيث الزمن والتاريخ والخليقة هي الأبعاد التي يتجسّد فيها عمل الفداء. إنّ ارتداد القلب والتطابق مع المسيح يجب أن يصبحا الإلحاح الأكثر جوهرية في وجودنا. ومن هنا، يظلّ فرنسيس شاهدًا نبوويًا على مركزية الله في التاريخ الإنساني، ودعوةً دائمة إلى أن نعيش حياتنا في ضوء الإنجيل، لا كذكرى عاطفية، بل كالتزام وجودي يطال كل أبعاد الحياة.
الموت في المنظور المسيحي، ليس مجرّد نهاية بيولوجية أو انقطاع للحياة، بل هو عبور من حياة أرضية محدودة إلى حياة أبدية في حضرة الله، حيث يرى المؤمن الرب "وجهًا لوجه". هذا التصوّر يرتكز على خلفية كتابية (1 كورنثوس 13، 12) ويُظهر أن الفردوس يبدأ منذ الآن، من خلال ممارسة المحبة والحق والصدق، أي عبر عيش القيم الإنجيلية في الحياة اليومية.