موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ١٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
القيامة المجيدة نور مستديم

أشخين ديمرجيان :

 

لقد سجّل التاريخ بحزن أعياد القيامة المجيدة، وهو يبكي بكاءً مرًّا على هذه السنة المشؤومة، بدموع تبوح بصمت وجعها على الظالم الطاغي والحروب والقصف والدمار والمخاطر البيئية...

 

نحن لا نعلم بالضبط الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحرب والدمار، ولكن بإمكاننا قياس عواقب الحرب على الكنيسة. يبدو أنّ الله قد رفع يده وتخلّى عنّا: لذلك نشعر بالفراغ الذي لا يملأه سوى الله. شاهدنا الكنائس فارغة في الأعياد بحجّة المخاطر الأمنية.

 

يربطنا معًا الشعور بفراغ داخلي... وتقول حكمة أرسطو "الطبيعة تكره الفراغ". في زمن الفراغ الروحاني الذي يلفّنا، تتّجه النفوس المؤمنة إلى تلك الممتلئة بكلّ النّعم: نلتجىء إلى سيّدتنا وأمّنا مريم العذراء منها السلام. نجد معها وفيها فقط الامتلاء الروحاني والأخلاقي الذي تعجز ساحة القديس بطرس والكنائس الأخرى في العالم عن تقديمه. والأفضل المشاركة في القداديس لأنّ البثّ المباشر أو غير المباشر للقداديس والاحتفالات الدينية يمكن أن يرضي العيون ويملأها بالمشاهد، لكنها لا تملأ شعور المؤمن بالفراغ الروحاني. ما علينا الاّ أن نتعلّم وننمو من خلال تواصلنا مع السيدة مريم العذراء ومعه تعالى وجدانيًا والسير بما يرضيه تعالى واتخاذ القرارات بناء على كلمة الله.

 

دعونا لا نضرع إلى الله بأن يزيل الكوارث ثمّ نجلس منتظرين رحمته تعالى، بل ينبغي أن نطلب منه المغفرة عن خطايانا وخطايا العالم أجمع كي يرحمنا. كان بإمكانه تعالى أن ينجّينا من الطامة الكبرى ولكنه سمح بها لأن الغالبية العظمى من سكان الكون نسيت معاني السمو والرقي والفضيلة والطهارة وركضت خلف الشيطان ودعواته المهلكة المدمّرة التي تجرّ النفوس إلى قعر الجحيم. وبما أن العذراء المباركة، بالإضافة إلى كونها شفيعة ووسيطة لنا لديه تعالى، هي أيضًا ملكة الكون، دعونا لا ننسى أنّ الله قد كلّفها مهمّة التدخل في التاريخ، لمعارضة عمل الشيطان. لذلك، عندما تتورّط البشرية، تُصبح مريم  العذراء ملاذنا الوحيد .

 

العالم بشع وقبيح من حولنا، يبعث في القلوب أحاسيس الهلع، يصحبها انعدام المبادىء الاخلاقيّة والجشع، وغياب المعايير الإنسانيّة... ونتساءل ما العمل؟ هل نستسلم وندخل قبور الظلمات؟ أم نستكين لانحلالات خلقيّة تُرهق المبادىء في جوانحنا وتبعث الحزن في قلوبنا؟

 

لا! لن نستكين! فنور القيامة المجيدة نور مستديم! وإشراق دائم يغمر القلوب، متجاوزًا حدود الزمان والمكان. يُضيء دروبنا بالرجاء، ويبدّد عنّا ما يراودنا من كوابيس الفناء... ينبغي أن نتوق إلى حياة جديدة بفيض نعمته، وحياة جديدة بوحي كلمته.. وحّدَنا سبحانه بذاته الالهيّة، وغيّر منّا النفوس بلمسته الربّانيّة! أراقت قيامة المسيح المجيدة والحقيقيّة كلّ أوجاعنا في كأس آلامه، وفتحت أبواب الفردوس بحنوّه ورأفته. لقد تكرّم أن يبني في كياننا هيكله الحيّ، وأن يزرع بذور محبّته في أفئدتنا.

 

أمر عجيب؟! ما أشبه قلوبنا بقلوب تلاميذ المسيح أي بطرس وسائر الرسل، يلعب بها الخوف والقلق والإنكار. وأحياناً مثل يهوذا تُصبح قلوبنا كالصخر، ويملؤنا الطمع فنغوص في الخيانة والجحود واليأس.

 

القيامة المجيدة هي جوهر حياتنا لأنّها تخلّصنا من نير العبوديّة، تقودنا من ظلمات الحروب إلى أنوار الجنّة المتألّقة. لقد حوّلَت القيامة المجيدة يأسنا إلى هناءة والى أفراح أبديّة أحزاننا!

 

وكلّ عام وأنتم بخير!