موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بعد مرور عشر سنوات على مقتل الأب جاك هاميل في جريمة هزّت فرنسا والعالم، تستعد الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا لإحياء ذكراه بالصلاة والتأمل.
ففي 26 تموز 2016، تعرّض الكاهن الفرنسي البالغ من العمر 86 عامًا لهجوم أثناء احتفاله بالقداس في كنيسة سانت إتيان دو روفراي، في منطقة نورماندي. وبعد أن ذبح المهاجمان الأب هاميل، عادل كرميش وعبد الملك بتيجان، أقدما أيضًا على إصابة أحد المصلين الذي كانا قد احتجزاه رهينة بجروح خطيرة، قبل أن ترديهما الشرطة قتيلين أثناء محاولتهما مغادرة الكنيسة.
وفي 26 تموز، سيترأس الكاردينال جان مارك أفلين، رئيس أساقفة مرسيليا ورئيس مجلس أساقفة فرنسا، قداسًا يُنقل عبر التلفزيون في الكنيسة التي قُتل فيها الأب هاميل، بمشاركة رئيس أساقفة روان، المطران دومينيك لوبران، الذي كان يعرف الأب هاميل معرفة شخصية.
كما ستحضر روزلين هاميل، شقيقة الكاهن الراحل البالغة من العمر 86 عامًا، الاحتفالات الدينية والرسمية لإحياء الذكرى، والمقررة يومي 25 و26 تموز في موقع استشهاده. وسيسبق القداس مسيرة صامتة تنطلق من بيت الكاهن باتجاه الكنيسة.
قبل عشر سنوات، كانت روزلين هاميل تمضي عطلتها مع أولادها في بيت الكاهن، عندما غادر شقيقها صباح ذلك اليوم ليحتفل بالقداس اليومي، لكنه لم يعد أبدًا. وفي الذكرى العاشرة، ستسير مجددًا المسافة القصيرة نفسها إلى الكنيسة برفقة أولادها وأحفادها، وسط حشود المشاركين. وقالت في حديثها إلى OSV News: «إن إحاطتي بكل هؤلاء في هذه الذكرى تمنحني عزاءً كبيرًا. إنها تمنحني قوة عظيمة».
ورغم الحزن العميق الذي رافقها منذ تلك المأساة، لم تتوقف هاميل عن الشهادة لطيبة شقيقها، ولا عن التعبير عن رغبتها في الغفران. فقد بادرت إلى التواصل مع نصيرة كرميش، والدة أحد المهاجمين، ونشأت بينهما صداقة عميقة، حتى إنهما أصدرتا معًا عام 2025 كتابًا يروي القصة من منظور كل منهما، بعنوان «أختان في الألم».
وتقول هاميل: «بالنسبة إلى كثيرين، كانت هذه الصداقة غير مفهومة، بل قوبلت أحيانًا بالرفض. لكن ما دفعني إلى البحث عن نصيرة هو رغبتي في لقاء شخص أستطيع أن أتقاسم معه هذا الألم الذي بدا لي فوق الاحتمال. فكرت في أمّ القاتل، وحاولت أن أضع نفسي مكانها. تخيلت أنها ربما تتألم أكثر مني، وأنها الوحيدة القادرة على فهم ألمي».
وفي عام 2017، زارت هاميل منزل نصيرة كرميش لأول مرة.
وتقول: «أردت أن أقترح عليها أن نواجه ألمنا معًا».
وتستذكر ذلك اللقاء قائلة: «عندما فتحت لي الباب لأول مرة، كانت أول كلماتها: "أرجوكِ سامحيني... أنا آسفة". كانت تشعر، وما تزال، بذنب كبير، رغم كل ما فعلته لمنع ابنها من الوقوع في براثن الإرهاب. فقد طلبت بنفسها مساعدة الشرطة، بل طالبت بسجنه، بعدما حاولت منعه من الالتحاق بالجهاديين في سوريا إثر تجنيده عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن السجن أتاح له الاحتكاك بمتطرفين، ما جعل الأمور تزداد سوءًا».
ومع مرور الوقت، بدأت المرأتان تتبادلان أسرارهما وآلامهما، حتى إن روزلين زارت قبر عادل كرميش، ابن نصيرة. وتقول: «أردت أن أنقل إليه رسالة غفران من أخي. وبعد ذلك، عامًا بعد عام، حاولنا معًا أن نشق طريقًا نحو التعافي، وأن نضمد الجرح الغائر الذي تركه ذلك اليوم المأساوي».
وترى هاميل أن هذه الصداقة أصبحت بالنسبة إليها: «علامة رجاء ومصدر تعزية حقيقي».
وتضيف: «لسنوات طويلة كنت وحدي أتحدث عن أخي. أما نصيرة، فلم تكن قادرة على الخروج إلى العلن، إذ كانت تخشى ردود الفعل وحتى على حياتها، بسبب الرسائل العدائية والتهديدات التي كانت تتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
لكن بعد ثماني سنوات، شعرتا بأن الوقت قد حان لشرح ما عاشتاه. وتوضح: «قررنا أن من حق الناس أن يفهموا الظروف التي قادت إلى هذه الصداقة، ولذلك شاركت نصيرة أيضًا في اللقاءات المخصصة للتعريف بالكتاب».
ومنذ ذلك الحين، تكاثرت اللقاءات المشتركة بين روزلين ونصيرة.
وتقول هاميل: «فتح كتابنا أبوابًا كثيرة للقاء والحوار، في أماكن كان يمكن لهذه المأساة أن تزرع فيها الانقسام. ونزور خصوصًا المدارس الثانوية عندما تُوجَّه إلينا الدعوة، لتحذير الشباب من مخاطر هذه الشبكات». وتضيف: «الشباب في هذه المرحلة يبحثون عن هويتهم، وقد يجد الأهل صعوبة أحيانًا في الإجابة عن أسئلتهم. لكننا نشجعهم على العودة إلى أهلهم، والحديث معهم، وطلب مشورتهم».
واليوم تبدو روزلين أكثر هدوءًا.
وتقول: «كان هذا الكتاب بمثابة نسمة هواء منعشة بالنسبة إلينا، وقد تلقينا رسائل تشجيع كثيرة ساعدتنا على المضي قدمًا». كما تؤكد أنها لا تزال تتلقى رسائل عديدة تتعلق بشقيقها، مضيفة: «المعجزة اليوم هي رؤية الأثر الذي تركه خلال السنوات العشر الماضية، رغم أنه كان كاهنًا بسيطًا ومتواضعًا. لم يسعَ يومًا إلى الشهرة، بل كان يريد فقط أن يتألق كهنوته، وهذا كان يكفيه».
وفي أواخر آب المقبل، ستتوجه روزلين إلى روما لمناسبة صدور كتابها باللغة الإيطالية، حيث ستلتقي البابا لاون الرابع عشر، آملة أن تتحدث معه عن دعوى تطويب شقيقها. وكان رئيس أساقفة روان قد سلّم عام 2019 الملف الأبرشي الخاص بدعوى التطويب إلى الفاتيكان، إلا أن العائلة لم تتلقَّ أي مستجدات منذ ذلك الحين.
وتقول هاميل بحزن: «منذ ذلك الوقت لم نسمع شيئًا. سأحاول التأكيد أن كثيرين، في مختلف أنحاء العالم، ينتظرون بشوق تطويب أخي. وعندما زرت الأراضي المقدسة قبل سنوات، قال لي أشخاص هناك: "سواء أُعلن طوباويًا أم لا، فهو بالنسبة إلينا قديس"».