موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر الجمعة، ١٤ أغسطس / آب ٢٠٢٦
الوعي والعدالة التربوية في مثل الزارع

د. أسيل الشوارب :

 

"طُوبى لِعُيونِكم لأَنَّها تُبصِر، ولآذانِكم لأَنَّها تَسمع".

 

بهذا التقدير الإلهي لمعنى الإدراك والوعي، نستهل عامنا الدراسي الجديد. لإن التعليم في المؤسسات والمدارس المسيحية يعني تكامل الرسالة التعليمية مع البعد الإنساني والروحي؛ حين ينظر المربي إلى دوره لا بوصفه مجرد موظف يؤدي مهاماً إدارية أو يتقاضى أجراً لقاء نقل المعارف، بل باعتباره يمارس دعوة سامية تهدف إلى شحن الوعي وبناء الإنسان. حيث يجد التربوي نفسه مدعواً للتمثل بخطى سيدنا يسوع المسيح (المعلم الأكبر) الذي جلس عند ساحل البحر، وسط الزحام، ليعلم برفق وعمق.

 

ولأن البداية بذرة سأبدأ معكم البذرة الأولى لسلسة تأملات تربوية انجيلية تحمل عمق روحي وتربوي ، وسأبدأ في مقالي الأول من نص "مثل الزارع" (متى 13)، الذي يقدم لنا في مضمونه مصفوفة متكاملة من القيم التربوية والإيمانية التي ينبغي أن تتجسد في سلوك وفكر كل معلم.

 

يشكل الفهم الرئيس لفهم عملية التعلم كعملية إدراك واعية تتمثل في تفضيلات للعيون التي تبصر والآذان التي تسمع بمثابة المدخل. و تبدأ من المعلم نفسه حين يمتلك الرؤية التي تمكنه من الإبصار العميق والاستماع المسؤول لاحتياجات طلابه، ليفيض عليهم بعد ذلك بمعرفة تتجاوز السطحية. حيث يبرز نموذج "المعلم الأكبر" الذي جلس عند ساحل البحر وسط الزحام ليعلم بأسلوب يجمع بين الرفق والعمق، مستخدماً مثل الزارع كإطار تربوي متكامل يطرح قيم العدالة والتشخيص النفسي وبناء المعنى واحترام الفروق الفردية داخل الغرفة الصفية.

 

حيث تتجلى العدالة التربوية أولاً في مبادرة الزارع الفعلية التي يعبر عنها النص بوضوح في عبارة "هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَع"، حيث لا ينتظر المربي بيئة مثالية أو طلاباً مكتملي الجاهزية، بل يحمل مبادرة ذاتية تدفعه إلى بث البذار بسخاء ودون مفاضلة مسبقة. وينطوي هذا الفعل على بعد تربوي عميق يرفض تصنيف الطلاب أو تقييدهم في خانات تحصيلية ثابته استناداً إلى خلفياتهم الاجتماعية أو قدراتهم الأكاديمية الأولية، مما يضمن حصول كل طالب على فرص متساوية من العناية والمعرفة، باعتبار أن كل متعلم يحمل في داخله إمكانية كامنة للنمو القابل للتحقق متى ما حظي بالرعاية المناسبة.

 

أما التعامل مع البيئة الصفية فيتطلب قراءة دقيقة لأحوال الطلبة المعرفية، والانفعالية و التي يواجهها المعلم يومياً، حيث يقدم النص تشخيصاً تربوياً ونفسياً لأربع حالات مختلفة يستلزم كل منها أسلوب تدخل مخصص. ففي حالة الأرض التي على جانب الطريق، نجد المتعلم المشوش أو الرافض بسبب صدمات أسرية أو ظروف نفسية قاسية، مما يتطلب من المعلم بناء بيئة من الأمان النفسي والاحتواء العاطفي قبل فرض المادة العلمية. أما الأرض الحجرة فتجسد الشغف اللحظي والتعلم السطحي الذي يفتقر إلى الجذور، وهو ما يستدعي استراتيجيات تعزز الانضباط الذاتي والاستمرارية وتعمق الاستيعاب المفاهيمي. وفي حالة الأرض التي ينمو فيها الشوك، تظهر آثار الضغوط المعاصرة والتشتت الرقمي وقلق النجاح الاستهلاكي، مما يفرض على المعلم تدريب طلابه على مهارات التفكير الناقد لتقليم تلك المشتتات، وصولاً إلى الأرض الطيبة التي تمثل العقول ذات الدافعية الذاتية التي تحتاج إلى رعاية وتحدٍ مستمر لضمان نموها المتكامل.

 

وحتى يكون التعلم حقيقي تتحول العملية التعليمية من التلقين السلبي إلى بناء المعنى عبر اعتماد التعليم التفاعلي،وجسدها أسلوب "التعليم بالأمثال". حيث استخدم النص عناصر البيئة اليومية المادية الزراعة والبحر والطيور ليقيم جسراً معرفياً ينقل المتعلم من الواقع الحسي إلى المعنى الفكري والروحي العميق، رافضاً النموذج التقليدي القائم على حشو الأذهان، ومحولاً المعلم من مجرد ناقل للمعلومات إلى مشعل للوعي يُكسب المناهج حيوية ويحفز عقول الطلاب على الاستنباط والمشاركة الفعالة.

 

ويتوج النص طرحه التربوي بتفاوت المخرجات وتنوع الثمار حين يذكر أن الأرض الطيبة أثمرت بنسب مختلفة بلغت مائة وستين وثلاثين. و هذا التباين يؤكد أهمية مراعاة الفروق الفردية وإعادة تعريف مفهوم النجاح الشامل، إذ لم ينظر النص إلى النسبة الأدنى كعلامة فشل بل وصف جميع تلك المستويات بأنها خرجت من أرض طيبة. وبذلك يعلمنا المنهج التربوي الرصين ألا نقيس الإنجاز بمقياس نمطي موحد، بل أن نحتفي بالوصول بكل طالب إلى أقصى طاقة استيعابية وأخلاقية ومستطاعة له، بحيث يقاس تطوره مقارنة بقدراته الشخصية وليس بمقارنته الهدامة مع أقرانه.

 

هذه المفاهيم تتطلب تجسيد في الواقع العملي تكاملاً متوازناً بين المدرسة والبيت، حيث يقدم المعلم فرص مشاركة متساوية تعزز العدالة، ويستبدل التشتت بالتعلم القائم على حل المشكلات، ويطرح الأسئلة لبناء المعنى، وينوع أدوات التقييم لتناسب الذكاءات المختلفة. وفي المقابل، يقع على عاتق الأهل في المنزل توفير المحبة غير المشروطة التي لا ترتبط بالدرجات فقط، وتنظيم بيئة الدراسة وحمايتها من المشتتات الرقمية، وفتح باب الحوار الناقد مع الأبناء، والامتناع التام عن المقارنات الزائفة مع التركيز على النمو الفردي للطفل. وإن المهمة الأساسية للمعلم والمؤسسة التعليمية تكمن في الخروج المبادر والغرس بسخاء العدالة، وفهم المتعلمين بصبر وتشخيص دقيق، والتحول الكامل نحو صناعة الوعي والفهم العميق بدلاً من التلقين، مع الاحتفاء بكل جهد وإثمار مهما تباينت النتائج.

 

لنبدأ عامنا الدراسي بروح الإيمان والرجاء، مصلين أن يمنحنا الله العيون التي تبصر والأذان التي تسمع، لنكون أدوات حقيقية في تغيير حياة طلابنا لبناء إنسان أفضل ومجتمع أكثر محبة وسلاماً.

 

عام دراسي مبارك ومثمر لجميع معلمينا