موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
وجّه الكاردينال روبيرت سارة نداءً إلى جمعية القديس بيوس العاشر، حثّها فيه على عدم المضي قدمًا في رسامة أساقفة من دون تفويض بابوي، محذرًا من أنّ هذه الخطوة تُعدّ عصيانًا لقانون الكنيسة وتنذر بـ«انقسام قد لا رجعة فيه» داخل جسد المسيح.
وفي مقال باللغة الفرنسية نُشر في صحيفة لو جورنال دو ديمانش بتاريخ 22 شباط، أعرب الكاردينال الغيني عن قلقه العميق إزاء إعلان الجمعية، التي برّرت قرارها بحالة «ضرورة ملحّة» تتعلّق بخلاص النفوس، وهي الحجة نفسها التي استخدمها مؤسّسها، رئيس الأساقفة مارسيل لوفيفر، عام 1988 عند تكريس أربعة أساقفة من دون موافقة الكرسي الرسولي. وشدّد سارة على أنّ خلاص النفوس لا يمكن فصله عن الشركة الكنسية والطاعة لخليفة بطرس، معتبرًا أنّ أي مبادرة أحادية خارج الإطار القانوني للكنيسة تُعرّض وحدتها للخطر.
«أنت المسيح ابن الله الحي» (متى 16: 16). بهذه الكلمات، عبّر بطرس، حين سأله المعلّم عن إيمانه به، بإيجاز عن الإرث الذي حافظت عليه الكنيسة، عبر الخلافة الرسولية، وعمّقته، ونقلته على مدار ألفي عام: يسوع هو المسيح ابن الله الحي، أي المخلّص الوحيد. «لا تزال كلمات البابا لاون الرابع عشر الواضحة جدًا عن إيمان بطرس، في اليوم التالي لانتخابه، تتردد في نفسي»، هكذا يُلخص الأب الأقدس سرّ الإيمان الذي يجب على الأساقفة، خلفاء الرسل، ألا يكفوا عن إعلانه.
والأن، أين نجد يسوع المسيح، الفادي الوحيد؟
يجيبنا القديس أوغسطينوس بوضوح: «حيثما توجد الكنيسة، يوجد المسيح». لذا، فإنّ حرصنا على خلاص النفوس يترجم إلى التزامنا بهدايتها إلى المصدر الوحيد، الذي هو المسيح، الذي يهب ذاته في كنيسته. فالكنيسة وحدها هي السبيل الطبيعي للخلاص؛ وهي، بالتالي، المكان الوحيد حيث يُنقل فيه الإيمان بكامله، وهي المكان الوحيد الذي تُمنح فيه لنا حياة النعمة بشكل كامل من خلال الأسرار المقدسة. وفي الكنيسة يوجد مركز، نقطة مرجعية ملزمة: كنيسة روما، التي يرأسها خليفة بطرس، أي البابا. «وأَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ المَوت» (متى 16: 18).
التخلي عن سفينة بطرس يعني الاستسلام لأمواج العاصفة
أود أن أعرب عن قلقي العميق وحزني البالغ عند علمي بإعلان جمعية القديس بيوس العاشر الكهنوتية، التي أسّسها رئيس الأساقفة لوفيفر، عن المضي قدمًا في رسامات أساقفة دون تفويض بابوي.
يُقال لنا إن هذا القرار، الذي يُخالف قانون الكنيسة، يستند إلى "القانون الأسمى لخلاص النفوس". لكن الخلاص هو المسيح، وهو يُمنح فقط في الكنيسة. كيف يُمكن لأحد أن يدّعي هداية النفوس إلى الخلاص عبر طرق أخرى غير تلك التي بيّنها هو بنفسه؟ هل الرغبة في خلاص النفوس تعني تمزيق جسد المسيح السريّ تمزيقًا بطريقة ربما لا رجعة فيها؟ كم من النفوس مُعرّضة لخطر الضياع نتيجة هذا الشرخ الجديد؟
يُقال لنا إن هذا الفعل يهدف إلى الدفاع عن التقليد والإيمان. أعلم كم يُستهان أحيانًا بإرث الإيمان اليوم، حتى من قبل أولئك الذين أُنيطت بهم رسالة الدفاع عنها. وأعلم أن البعض ينسى أن سلسلة حياة الكنيسة المتواصلة، وإعلان الإيمان، والاحتفال بالأسرار المقدسة -ما نسمّيه التقليد- هي وحدها التي تضمن لنا أن ما نؤمن به هو رسالة المسيح الأصلية التي نقلها الرسل. لكنني أعلم أيضًا، وأؤمن إيمانًا راسخًا، أن جوهر الإيمان الكاثوليكي يكمن في رسالتنا لاتباع المسيح، الذي أطاع حتى الموت. هل يُعقل أن نتخلى عن اتباع المسيح في تواضعه حتى الصليب؟ أليس من خيانة التقليد اللجوء إلى الوسائل البشرية لحفظ أعمالنا، حتى وإن كانت صالحة؟
إنّ إيماننا الراسخ بعصمة الكنيسة قد يدفعنا إلى قول المسيح: «نَفسي حَزينَةٌ حتَّى المَوْت» (متى 26: 37)، حين نرى جبن المسيحيين، بل وحتى رجال الدين، الذين يتخلون عن تعليم وديعة الإيمان ويفضلون آراءهم الشخصية في مسائل العقائد والأخلاق. لكن الإيمان لا يمكن أن يدفعنا أبدًا إلى التخلي عن طاعة الكنيسة. لقد صرّحت القديسة كاترينا السيانية، التي لم تتردد في نصح الكرادلة وحتى البابا، قائلة: «أطيعوا دائمًا راعي الكنيسة، فهو المرشد الذي اختاره المسيح لهداية النفوس إليه». إن خير النفوس لا يمكن أن يمرّ أبدًا بالعصيان المتعمّد، لأن خير النفوس حقيقة فوق الطبيعة. فلنتجنب اختزال الخلاص إلى لعبة دنيوية تحت ضغط الإعلام.
من سيمنحنا اليقين من أننا على اتصال حقيقي بمصدر الخلاص؟ من سيضمن لنا أننا لم نعتبر رأينا هو الحقيقة؟ من سيحمينا من الذاتية؟ من يضمن لنا أن نستمرّ في الاستنارة بالتقليد الوحيد الذي أتانا من المسيح؟ من يضمن لنا أننا لا نستبق العناية الإلهية وأننا لا نتبعها مقادين بإرشادها؟ لا توجد إجابة لهذه الأسئلة المؤلمة سوى واحدة، أعطاها المسيح للرسل: «مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم» (لوقا 10: 16، يوحنا 20: 23). فكيف لنا أن نتحمّل مسؤولية الخروج عن هذا اليقين المطلق؟
يُقال لنا إن هذا يتم بدافع الإخلاص سلطة الكنيسة التعليمية السابقة، ولكن من يضمن ذلك سوى خليفة بطرس نفسه؟ هنا تكمن مسألة إيمانية. قالت القديسة كاترينا السيانية أيضًا: «من يعص البابا، ممثّل المسيح على الأرض، لا يشترك في دم ابن الله». فالأمر ليس إخلاصًا دنيويًا لرجل أو أفكاره الشخصية، ولا يتعلّق الأمر بعبادة لشخص البابا، ولا يتعلق بطاعته عندما يعبّر عن أفكاره أو آرائه الشخصية، بل يتعلق بطاعته عندما يقول، كما قال يسوع: «لَيسَ تَعليمي مِن عِندي بل مِن عِندِ الَّذي أَرسَلَني» (يوحنا 7: 16).
إنها رؤية فوق الطبيعة للطاعة الكنسية، تضمن لنا ارتباطنا بالمسيح ذاته. إنها الضمانة الوحيدة بأن نضالنا من أجل الإيمان والأخلاق الكاثوليكية والتقليد الليتورجي لن ينحرف إلى أيديولوجية. لم يُعطنا المسيح أي علامة مؤكدة أخرى. إن التخلي عن سفينة بطرس وتنظيم الذات بشكل مستقل وفي دائرة مغلقة يرقى إلى الاستسلام لأمواج العاصفة.
أعلم جيدًا أنه غالبًا، حتى داخل الكنيسة، يوجد ذئاب متنكرة في ثياب حملان. ألم يحذرنا المسيح نفسه من هذا؟ لكن أفضل حماية من الضلال تبقى في رباطنا القانوني مع خليفة بطرس. يقول القديس أوغسطينوس: «إن المسيح نفسه يريدنا أن نبقى في وحدة، وألا نتخلى عن الكنيسة حتى وإن جُرحنا بعثرات الرعاة السيئين». كيف يمكننا أن نبقى غير مبالين بصلاة يسوع المفعمة بالألم: «يا أبتاه، ليكونوا واحدًا كما نحن واحد» (يوحنا 17: 22)؟ كيف لنا أن نستمر في تمزيق جسده بذريعة خلاص النفوس؟ أليس هو، يسوع، الذي يخلّص؟ ألسنا نحن وهياكلنا من يخلّص النفوس؟ أليست وحدتنا هي سبيل العالم للإيمان والخلاص؟ هذه الوحدة هي أولًا وقبل كل شيء الإيمان الكاثوليكي، وهي أيضًا وحدة المحبة، وأخيرًا وحدة الطاعة.
أود أن أذكّر بأن القديس الأب بيو من بيترلتشينا قد تعرّض للظلم من قبل رجال الكنيسة في حياته. عندما أنعم الله عليه بنعمة خاصة لمساعدة نفوس الخطأة، مُنع من سماع الاعترافات لمدة اثني عشر عامًا. فماذا فعل؟ هل عصى باسم خلاص النفوس؟ هل تمرّد باسم الوفاء لله؟ كلا؛ لقد التزم الصمت. دخل في طاعة مُضحيّة، مُتيّقنًا أن تواضعه سيكون أكثر نفعًا من تمرده. وكتب: «لقد جعلني الله الرحيم أفهم أن الطاعة هي الشيء الوحيد الذي يُرضيه؛ وهي الوسيلة الوحيدة بالنسبة لي لرجاء الخلاص وترنيم النصر».
يمكننا التأكيد على أن أفضل وسيلة للدفاع عن الإيمان، والتقليد، والليتورجيا الأصيلة، ستكون دومًا باتباع المسيح في الطاعة. فالمسيح لم يأمرنا أبدًا بتمزيق وحدة الكنيسة.