موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٥ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
عندما تُسمّي السلطة البابا: معنى هجوم ترامب على لاون الرابع عشر

أنطونيو سبادارو اليسوعي :

 

يمكن تجاهل الصوت الأخلاقي، أو تفنيده، أو استيعابه داخل منظومة ما. لكن ما لا يمكن فعله بسهولة هو اعتباره خصمًا من قِبل أقوى منصب في العالم - إلا إذا كان هذا الصوت قد بدأ بالفعل بإحداث أثر عميق.

 

عندما اختار دونالد ترامب استهداف البابا لاون الرابع عشر بشكل مباشر، في تصريحين موجزين لكن لا لبس فيهما (أحدهما نُشر على منصة تروث سوشال، والآخر أُدلي به شفهيًا أمام صحفي)، فقد قام بشيء تجنّبه أسلافه: أدخل حبراً أعظم إلى ساحة الجدل السياسي الأميركي الداخلي باعتباره عائقًا يجب ضبطه. هذه الإشارة، أكثر من مضمونها، هي الحدث الذي يستحق القراءة.

 

كان خطاب ترامب صريحًا: قال إن لاون «سيئ في السياسة الخارجية»، وإن عليه أن «يعود إلى المسار الصحيح»، وأن يتوقف عن «إيذاء الكنيسة الكاثوليكية»، وأن يكون ممتنًا للرئيس نفسه. كما وضعه في مواجهة مع شقيقه لويس بريفوست، الداعم لترامب، مقحمًا في الجدل أكثر أشكال العلاقات حميمية: الروابط العائلية. وكان المعنى الضمني أوضح من النص نفسه: لا أريد بابا ينتقد رئيس الولايات المتحدة.

 

 

إعلان عجز

 

أول ما يجب قوله عن هذا الهجوم هو ما ليس عليه. إنه ليس علامة قوة. فالسلطة السياسية لا تهاجم صوتًا أخلاقيًا إلا عندما تعجز عن احتوائه. لو كان لاون غير ذي صلة، لما استحق حتى جملة على منصة تروث سوشال. إنما يتم تسميته لأنه بدأ يترك أثرًا - في ضمير الكاثوليك الأميركيين، وفي العواصم الأوروبية، وحتى في البنية العسكرية نفسها التي شعرت قبل أسابيع بالحاجة إلى استدعاء السفير الرسولي، الكاردينال كريستوف بيير، إلى البنتاغون. إن مهاجمة البابا تعني الإقرار بأن البابا مهم.

 

وهنا يكمن التناقض المركزي: بمحاولة نزع الشرعية عن لاون، يؤكد ترامب وزنه. فالهجوم اعترافٌ مأساوي بمدى تأثيره. إنه فعل إدارة لا تستطيع استيعاب صوت لا تستطيع إسكاتَه، فتحاول -بشكل مرتبك- إخراجه من دائرة الخطاب المشروع.

 

 

لغتان، لا شخصان

 

الإطار الأكثر إغراءً -«ترامب ضد البابا»- هو أيضًا الأكثر تضليلًا. إنه سرد يمنح وضوح المبارزة وسطحية البرامج الحوارية التلفزيونية، لكنه يشوّه ما يجري فعليًا. لم يسمِّ لاون ترامب في أي مرة. لم تخرج كلمة الرئيس الأميركي من فم البابا، رغم مداخلاته المتزايدة جرأة. هذا التفاوت ليس مصادفة، بل هو جوهر استراتيجيته: لاون لا يستهدف شخصًا بل بنية - الآلية الفكرية والروحية والسياسية التي تجعل الحرب ممكنة ومقبولة، بل وحتمية في النهاية. ترامب يُفعّل هذه الآلية بقوة، لكنه لا يملكها.

 

ما نشهده إذن ليس صراع شخصيات، بل احتكاك نظامين لغويين. من جهة، لغة القوة: الردع، الاستثناء القومي، استخدام "العناية الإلهية" للقوة، وإعادة لاهوت السياسة بحيث يستخدم اسم الله لتبرير قوة الدولة. ومن جهة أخرى، لغة الإنجيل: الحوار، الحدود الأخلاقية، القانون الدولي، كرامة الإنسان غير القابلة للانتهاك، ورفض إدخال اسم الله في خطاب الموت. هاتان اللغتان لا يمكن التوفيق بينهما بصيغ دبلوماسية. يمكن فقط الاعتراف بهما وقياس التوتر بينهما. ومنشور ترامب، بحدّته، يقوم بهذا القياس بالذات.

 

 

حرية البابا الذي لا يردّ

 

ردّ لاون، على متن الرحلة إلى الجزائر، هو بحد ذاته عمل صغير من إتقان النبرة. لقد رفض الطُعم. قال: «أتحدث عن الإنجيل»، وأنه «سيواصل رفع الصوت ضد الحرب». وأضاف أنه لا يرى دوره سياسيًا، وأنه لا يريد الدخول في جدل مع الرئيس، وأنه لا يخشى الإدارة الأميركية. وحذّر، بدقة إنجيلية، من أولئك الذين «يسيئون استخدام» رسالة الإنجيل.

 

لا ردّ سياسي مضاد، ولا انفعال مجروح، ولا غموض تكتيكي. بالخروج من منطق الردّ، يخرج لاون من الفخ. من يدخل في مواجهة ترامب وفق شروط ترامب يكون قد خسر بالفعل السجل الأخلاقي وقَبِل الحلبة البلاغية. لاون يبقى في مكانه: على المنبر، لا في الحلبة. وهذا ما يجعل حريته مُجرّدة من السلاح - لأنها تنزع من المهاجم سلاحه الأساسي، أي جرّ البابا إلى نفس اللغة.

 

 

ما الذي يكشفه الهجوم عن المسألة الكاثوليكية الأميركية

 

أعمق آثار هذه الحادثة لن تظهر في روما، بل في الولايات المتحدة، ولن تظهر الأسبوع المقبل بل خلال السنوات القادمة. فالهجوم يفرض توضيحًا طال تأجيله لعقود: لا يمكن في آنٍ واحد قبول تعليم بابا يقول إن الله لا يبارك أي جيش، والتمسك بخطاب يقدّس القوة القومية. هذان الموقفان لم يعودا متوافقين، وانفجار الرئيس جعل هذا التناقض مرئيًا للجميع.

 

وتؤكد ردود الفعل ذلك. فقد عبّر الأساقفة الأميركيون -بما في ذلك أصوات تميل عادة إلى التيار المحافظ- عن «ذهولهم» من اللغة «التجريحية» المستخدمة ضد لاون. وهذا ليس خطابًا تقدميًا بل رعويًا. وكان رئيس أساقفة الخدمات العسكرية، المطران تيموثي بروغليو، قد اعتبر مسبقًا أن الصراع مع إيران غير مبرر. كما تحدث الكرادلة كابيتش، ماك إلروي وتوبين منذ أشهر عن أخطر نقاش أخلاقي حول السلطة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة. وتبدو محاولات بعض وسائل الإعلام الكاثوليكية المحافظة لتخفيف أو تفسير كلام لاون متأخرة عن موقف الأساقفة أنفسهم.

 

إنّ انفصالًا جزئيًا للكاثوليكية الأميركية عن الاصطفاف الحزبي بات أمرًا ممكنًا، خصوصًا بين الشباب وبين المجتمعات اللاتينية. ومع ذلك، يظهر دورٌ متجدّد للأساقفة بوصفهم مرجعيات أخلاقية حوارية، وإمكانية أن تبدأ الكنيسة في الولايات المتحدة بإعادة اكتشاف نفسها كجماعة تمييز روحي/أخلاقي بدلًا من كونها قبيلة ثقافية. وتشير استطلاعات الرأي بالفعل إلى اتجاه هذا المسار: إذ يتمتع لاون بشعبية عابرة للانقسام الحزبي، لا يملكها اليوم أي شخصية سياسية أميركية.

 

 

بابا أمريكي لا يمكن تجنيده لأجل أمريكا

 

يكشف الهجوم أيضًا سوء فهم الإدارة لطبيعة الكرسي الرسولي. فقد اعتادت الإدارات الأميركية المتعاقبة التعامل مع باباوات يمكن وصفهم بـ«أجانب»: الأرجنتيني، البولندي، الألماني، أو البابا الذي واجه الشيوعية، أو اللاتيني الذي واجه الرأسمالية. كان هناك دائمًا مسافة ثقافية تسمح باعتبار النقد البابوي قادمًا من الخارج. لكن مع لاون، أُغلق هذا المنفذ. فهو أميركي، يتحدث من الداخل، يعرف الانعكاسات والعلامات والإغراءات. كلمته تأتي بلا فلتر «الغربة»، وهذا ما تعجز الإدارة الحالية عن استيعابه.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزاله في أميركا. فهو يحمل معه البيرو، وخبرة إرسالية، وحساسية كنسية عالمية. إنه يجسد أميركا المندمجة بالعالم، لا أميركا المنغلقة عليه. ولهذا يصبح حبريته سردية مضادة لما يمكن أن تكونه الولايات المتحدة: حرية دينية حقيقية، سيادة القانون، كرم تجاه اللاجئين، وقيادة تقوم على الشرعية لا الإكراه.  بالتالي فإنّ رفض الانضمام إلى «مجلس السلام» -الذي وصفه الكاردينال بيترو بارولين بأنه يتضمن «نقاطًا تثير شيئًا من الحيرة»- هو أوضح تعبير عن هذا الابتعاد. فالكرسي الرسولي لا يريد أن يتحول إلى مرشد روحي لمشروع قائم على القوة.

 

 

ماذا سيحدث لاحقًا

 

تتقاطع ثلاثة عوامل تجعل هذه لحظة خطر حقيقي لا بلاغي: الأول أن التحرك الأميركي في الشرق الأوسط يبدو مرتجلًا وخاليًا من العمق الاستراتيجي، ما يزيد الضغط نحو التصعيد. الثاني أن الهجوم على البابا يبدو انفجارًا لا قرارًا محسوبًا، صادرًا عن سلطة تنفيذية عاجزة عن السيطرة على صوت أخلاقي. الثالث أن تراجع مصداقية الرئيس -داخل التيار الكاثوليكي المحافظ وداخل أجزاء من حركة ماغا- أصبح قابلًا للقياس.

 

والشخصيات المحاصَرة لا تصبح دائمًا أكثر هدوءًا. لذلك فإن موقف لاون ليس ترفًا بل مسؤولية: هدوء، دقة، وعدم خضوع للترهيب. أما السؤال الطويل الأمد فهو ما إذا كانت الكاثوليكية الأميركية ستقبل الدعوة التي يطرحها وجود لاوُن نفسه. فهو يكسر النموذج: البابا الأميركي الذي لا يمكن تجنيده لأميركا، والابن الذي يسائل البيت من الداخل دون أن يتنّصل منه.

 

إن محاولة ترامب فرض الانضباط عليه هي، بهذا المعنى، آخر ردّ فعل لافتراضٍ قديم: أن الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة هي، في جوهرها، دائرة داخلية تابعة لمكوّن وطني. غير أن لاون يعمل بهدوء على تفكيك هذا الافتراض - لا بالمواجهة، بل بالحضور.

 

 

البابا الذي لا يمكن احتواؤه

 

في النهاية، يكشف هجوم ترامب أن لاون الرابع عشر أصبح الشخصية الوحيدة في المشهد الدولي التي لا تستطيع القوة الخام استيعابها ولا تجاهلها. لا جيش لديه، ولا مال، ولا قاعدة انتخابية. لديه منبر، وتقاليد، ونبرة خطاب. ومع ذلك، فقد وصل إلى نقطة يُجبر فيها أقوى منصب سياسي في العالم على اعتباره عائقًا. وهذا ليس هزيمة للكرسي الرسولي، بل أدق قياس لوزنه.

 

إن حرية لاون الرابع عشر هي حرية من نوع خاص: حرية منزوعـة السلاح ومُجرِّدة للآخرين من السلاح. لا يمكن إجباره على الاستسلام لأنه لا يملك أدوات استسلام. ولا يمكن جرّه إلى مواجهة لأنه لا يسعى إليها. إنه يقيس السلطة بمعيار لا تملكه السلطة، ولذلك يربك من يريدون إخضاع المجال الأخلاقي كما يُخضع المجال العسكري.

 

إن مهاجمة هذا الصوت هي اعتراف بأنه لا يمكن شراؤه أو إسكاتُه أو تجنيده. وفي زمنٍ عادت فيه الحرب لتصبح "رائجة"، فإن أن يُهاجم بابا علنًا من رئيس الولايات المتحدة ليس فضيحة، بل –بهدوء- علامة على أن الكلمة وصلت إلى المكان الذي كان ينبغي أن تصل إليه.