موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يحظى القديس أنطونيوس البادواني، الذي تحتفل الكنيسة الكاثوليكية بعيده في الثالث عشر من حزيران/يونيو، بمكانة خاصة في قلوب المؤمنين حول العالم، حتى بات يُعرف بـ«قديس الشعوب». وتُعزى هذه الشعبية الواسعة إلى مسيرته التي تجاوزت الحدود الجغرافية والثقافية، وإلى قربه من الفقراء والمتألمين والمهمشين.
وُلد القديس أنطونيوس باسم فرناندو مارتينز في لشبونة نحو عام 1195، وانضم في سن مبكرة إلى الرهبنة الأوغسطينية حيث نال السيامة الكهنوتية. غير أن استشهاد خمسة مرسلين فرنسيسكان في المغرب ترك أثرًا عميقًا في نفسه، فاختار الانضمام إلى رهبنة الإخوة الأصاغر متخذًا اسم أنطونيوس، ليبدأ رحلة تبشيرية وروحية جعلت منه واحدًا من أبرز قديسي الكنيسة.
امتدت مسيرة القديس عبر بلدان عدة، من البرتغال إلى المغرب، ثم إلى صقلية بعد حادث غرق سفينة، ومنها إلى أسيزي حيث التقى أبناء القديس فرنسيس، قبل أن يُرسل إلى فرنسا ويعود لاحقًا إلى إيطاليا. وفي مدينة بادوفا أمضى السنوات الأخيرة من حياته، حيث توفي عام 1231، تاركًا إرثًا روحيًا ولاهوتيًا كبيرًا وأسهم في وضع الأسس الأولى للاهوت الفرنسيسكاني.
وتكمن عالمية القديس أنطونيوس في قدرته الفريدة على مخاطبة جميع الناس، إذ عُرف بقربه من الفقراء والمرضى وأصحاب الحاجات، وبأسلوبه الذي كان يصل إلى القلوب مهما اختلفت اللغات والثقافات. ولهذا لا يقتصر تقدير شخصيته على الكاثوليك وحدهم، بل يحظى باحترام واسع حتى خارج حدود الكنيسة.
ولم تمضِ سوى سنة واحدة على وفاته حتى أعلن البابا غريغوريوس التاسع قداسته عام 1232، بعدما أُعجب بعظاته ولقّبه بـ«تابوت العهد». وفي العام نفسه بدأ تشييد البازيليك التي تضم رفاته في بادوفا، والتي أصبحت أحد أهم المزارات المسيحية في العالم.
وترتبط بالقديس أنطونيوس تقاليد روحية وشعبية عديدة، من أبرزها «التريديتشينا»، وهي فترة تمتد ثلاثة عشر يومًا من التأمل والصلاة تسبق عيده، من 31 أيار/مايو إلى 13 حزيران/يونيو. وخلال هذه الأيام تتحول بازيليك القديس أنطونيوس إلى مقصد لعشرات الآلاف من الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم طلبًا للشفاعة والصلاة.
كما يُعد «خبز القديس أنطونيوس» من أشهر الممارسات المرتبطة به، وهو تقليد خيري يعود إلى معجزة تُروى عن طفل صغير غرق في حوض ماء، فنذرت والدته أن توزع على الفقراء كمية من الخبز تعادل وزن طفلها إذا عاد إلى الحياة. ومنذ ذلك الحين أصبح الخبز رمزًا للمحبة والعطاء المرتبطين بالقديس، وألهم تأسيس مؤسسات خيرية ما زالت تقدم المساعدة للمحتاجين في أنحاء متعددة من العالم.
وتبقى الرسالة التي حملها القديس أنطونيوس حية حتى اليوم، إذ دعا من خلال حياته وكرازته إلى التواضع ومقاومة الكبرياء وروح التسلط، وإلى الالتفات نحو الإنسان المتألم، سواء كان لاجئًا أو مهاجرًا أو مريضًا أو فقيرًا أو مهمشًا. ومن خلال هذا النهج القائم على المحبة والخدمة أصبح مثالًا للمسيحي الذي يخرج من ذاته ليشهد للمسيح في العالم بروح التواضع والمحبة والرحمة.