موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٣ مايو / أيار ٢٠٢٦
القديسة ريتا تجمع المؤمنين في دمشق على صلاة رجاء وسلام لسورية وسط الألم والتحديات

رافي سايغ :

 

احتفلت أبرشية دمشق للأرمن الكاثوليك بعيد القديسة ريتا، شفيعة الأمور المستحيلة والمستعصية، وذلك مساء أمس الجمعة بقداسٍ إلهي احتفالي أُقيم في كنيسة سلطانة العالم بدمشق، وترأسه سيادة المطران جورج أسادوريان، أسقف الأبرشية، وعاونه في الخدمة المونسنيور جورج باهي، بمشاركة الآباء الكهنة والراهبات والشمامسة، وحضور حشدٍ كبير من المؤمنين الذين توافدوا للمشاركة في هذا العيد الروحي.

 

وفي هذا السياق، رُفعت الصلوات خلال القداس على نية سورية وسلامها واستقرارها، وعلى نية أن يحفظ الله شعبها ويمنحها أيام رجاءٍ ووحدةٍ وسلام، في ظل الظروف الصعبة التي تمرّ بها المنطقة، طالبين بشفاعة القديسة ريتا أن يعمّ السلام في القلوب والبلاد.

 

وجاء الاحتفال بتنظيم من سيدات أخوية القديسة ريتا، وبمشاركة كشافة أسرة المحبة، في أجواءٍ غلبت عليها الصلاة والتأمل ورفع النوايا، حيث اجتمع المؤمنون حول مثال القديسة التي تحوّلت، بطاعتها وإيمانها وصبرها وسط الألم، إلى علامة رجاء وشفيعة لكل من يحمل أوجاعه إلى الله.

 

وفي عظته، قال المطران أسادوريان: "نلتقي اليوم لنحتفل بذكرى قديسةٍ كسرت منطق الأرض لتعيش بمنطق السماء؛ نكرم اليوم القديسة ريتا دي كاشيا، الملقبة بشفيعة الأمور المستحيلة. لكننا لو تأملنا سيرتها عميقاً، لوجدنا أن "المستحيل" لم يكن مجرد لقب نالته بعد موتها، بل كان المساحة اليومية التي عاشت فيها إيمانها، وحوّلته بصبرها إلى واحة رجاء؛ فكانت طاعتها لله هي الجسر الذي عبرت عليه فوق كل محنة".

 

وأضاف متحدثًا عن البعد الأول في حياة القديسة ريتا: "التسامح البطولي.. كسر حلقة الحقد"، فقال: "في عالمٍ يُمجّد الثأر ويردّ الصاع صاعين، وقفت ريتا أمام جثة زوجها المقتول غدرًا، لا لتطلب الانتقام، بل لتصنع الغفران. لم يكن غفرانها ضعفًا، بل كان تسامحًا بطوليًا ترفع فيه قلب ولديها عن آثام الأرض. لقد فضّلت أن تراهما نقيين في حضن الله على أن تراهما قاتلين ملطخين بدماء الثأر. ريتا تعلمنا اليوم أن الغفران هو السلاح الوحيد الذي يقطع سلاسل الشر ويسكب سلام المسيح في القلوب المنكسرة".

وتابع سيادته متناولًا البعد الثاني: "الرجاء الأعمى.. السير بنور القلب"، قائلاً: "حين انغلقتْ في وجهها كل الأبواب البشرية -مات زوجها، ورقد ولدها، ورُفضت رغبتها في دخول الدير مرارًا- لم تسقط في اليأس، بل تمسكت بما نسميه الرجاء الأعمى".

 

أضاف: "هو رجاء ليس ساذجًا، بل هو إيمان يعمى بملء إرادته عن رؤية العوائق الأرضية والظروف المستحيلة، ليفتح عيني الروح على نور التدبير الإلهي. لقد سارت في العتمة وهي واثقة أن يد الله تقودها، فنالت في نهاية المطاف جرح الجبين، تلك الشوكة المقدسة التي طبعت على جسدها علامة الاشتراك الحقيقي في آلام المصلوب طوال خمسة عشر عامًا".

ثم انتقل إلى البعد الثالث في مسيرة القديسة ريتا بعنوان: "طاعة الخشب الجاف.. سقاية الأمانة الداخلية"، وقال: "ولكي تؤكد لنا السماء أن هذا الرجاء وهذه الطاعة ليسا وهناً، تركت لنا ريتا معجزة تفيض بالمعاني الروحية. حين دخلت الدير، وبقصد اختبار تواضعها، أُمرت بريّ غصن خشبي جاف وميت لا حياة فيه. وأمام استغراب الراهبات ودهشتهن، سُئلت ريتا ذات يوم: لماذا تروين عصًا جافة لا حياة فيها؟ فجاء جوابها يحمل عمقًا يزلزل المنطق البشري، إذ قالت: إنني لا أروي غصنًا جافًا، بل أروي قدرتي على الطاعة".

 

وأضاف أن عبارتها هذه تعلمنا القديسة ريتا "أن الطاعة لله ليست انصياعًا أعمى، بل هي سقاية يومية للأمانة الداخلية. فهمّها لم يكن إحياء الخشب -فهذا شأن الله ومعجزته- بل كان همّها إماتة كبريائها البشري، وترويض إرادتها لتسير وراء مشيئة السماء. وأمام هذا الخضوع الكلي لله، دبّت الحياة في الخشب الميت، فنبتت كرمة كاشيا".

وختم عظته قائلاً: "أيها الأحباء، كم منّا يتوقف اليوم عن الصلاة، وعن فعل الخير، وعن الأمانة لرسالته لمجرد أنه يرى الواقع حوله جافًا ومستحيلاً؟ ريتا تقول لنا اليوم بلسان حالها: لا تنظروا إلى جفاف الخشب من حولكم، بل انظروا إلى عمق طاعتكم وثقتكم بالرب. اسقوا أمانتكم بالصلاة، واعلموا أن الله قادر أن يُخرج من الموت حياة، ومن الجفاف ثمرًا وفيرًا".

 

وأشار إلى أنّ "القديسة ريتا لم تكن امرأة خارقة، بل كانت ابنة، وزوجة، وأمًا، وراهبة، عركتها الحياة بآلامها كما تعركنا اليوم. لكنها تميزت بأنها كانت الوردة التي نبتت بين أشواك الألم بفعل طاعتها المطلقة لله"، رافعًا الصلاة في عيدها اليوم "ليس فقط أن ترفع عنا أثقالنا المستحيلة، بل أن تمنحنا قريحتها: أن نتعلم كيف نغفر، كيف نرجو وسط الظلمة، وكيف نروي طاعتنا لله في أدق تفاصيل حياتنا لكي تُزهر أوانينا الجافة بنعمته".

 

وفي ختام الاحتفال، عايد سيادة المطران أسادوريان جميع اللواتي يحملن اسم ريتا، موجّهًا الشكر إلى سيدات أخوية القديسة ريتا على جهودهن في خدمة الكنيسة، وإلى كشافة أسرة المحبة وكل من ساهم في إنجاح الاحتفال والمشاركة في تنظيمه وإحيائه.