موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم تتوقف مأساة وفاة الأب باتريسيو ألفريدو سانشيز موليناري، الذي قضى إثر سقوط صليب خشبي عليه أثناء احتفاله بالقداس في الإكوادور، عند مشهد الحادثة المؤلم، بل امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت لحظاته الأخيرة إلى مادة للتعليقات الساخرة، بعضها تناول الكاهن نفسه، وبعضها الآخر اتخذ من ظروف وفاته موضوعًا للتهكم.
وفي مقال بعنوان "الصليب الذي سقط... والرحمة التي غابت"، نشرته وكالة "سير" الإيطالية، الاثنين 19 تشرين الأول 2026، توقف الصحفي ريكاردو بينوتي عند هذه الظاهرة، متسائلًا كيف يمكن لموت إنسان، أمام أعين الآلاف، أن يتحوّل من مأساة تستدعي الحزن والتعاطف إلى مشهد يتداوله البعض للسخرية والتندر.
يستعيد الكاتب اللحظات التي سبقت الحادثة في رعية سيدة المعونة الدائمة بمدينة غواياكيل، حيث كان الكاهن، المولود عام 1973، يحتفل بالقداس الذي اعتاد نقله عبر فيسبوك ليصل إلى المؤمنين الذين لا يستطيعون الحضور إلى الكنيسة. وبينما كان يخاطب الجماعة، انفصل الصليب الخشبي الكبير المثبت خلف المذبح وسقط إلى الأمام، فأصابه في رأسه، وسط صدمة الحاضرين.
ويشير إلى أن المشاهد انتقلت خلال ساعات من صفحات الرعية إلى فضاء الإنترنت الواسع، حيث أُعيد نشرها والتعليق عليها بلغات مختلفة. وإلى جانب رسائل التعزية التي كتبها أبناء الرعية، مستذكرين كاهنًا قريبًا من الشباب، ظهرت تعليقات سخرت من الكاهن ومن ظروف وفاته، بل إن بعضها صوّر سقوط الصليب كما لو كان فعلًا صادرًا عن المسيح نفسه، فيما ذهب آخرون إلى إطلاق أحكام على حياة الكاهن وإيمانه.
غير أن الكاتب لا يدخل في سجال مع أصحاب هذه التعليقات، بل يلفت إلى مفارقة إنسانية مؤلمة: فالوسيلة التي استخدمها الكاهن لتقريب المؤمنين البعيدين من الكنيسة، حملت مشهد وفاته إلى أشخاص لا يعرفون شيئًا عن حياته وخدمته.
فبالنسبة إلى أبناء الرعية، كان ذلك كاهنهم الذي يعرفونه ويصلّون معه، أما بالنسبة إلى آخرين، فقد أصبح مجرد مقطع مصوّر يتنافس مع آلاف المقاطع الأخرى على جذب الانتباه. وهنا تكمن إحدى مشكلات الثقافة الرقمية المعاصرة: حين يُختزل الإنسان إلى محتوى، قد تختفي خلف الصورة هويته وعائلته وجماعته وأحزان الذين أحبوه.
ويلفت المقال إلى أن الأب باتريسيو كان قد تحدث قبل الحادث بقليل عن حقيقة الموت، قائلًا للمؤمنين: "أيها الإخوة الأعزاء، سيأتي يوم نموت فيه جميعًا نحن الموجودين هنا"، وداعيًا إياهم إلى التأمل في الوقت الذي يخصصونه لله ولعائلاتهم وللآخرين. لكن هذه الكلمات اقتُطعت من سياقها، وأُلحقت بمشاهد سقوط الصليب، حتى بدت لدى البعض وكأنها نبوءة بما سيحدث بعد لحظات.
والواقع أن الكاهن لم يكن يتنبأ بمأساة، بل كان يدعو إلى التفكير في قيمة الوقت وكيفية عيشه. والمفارقة أن كلماته نفسها تطرح سؤالًا على الذين سارعوا إلى السخرية من وفاته: كم من الوقت نقضيه في التندر على موت إنسان لا نعرفه؟
ويشير بينوتي إلى أن الشاشة قد تحجب عن المشاهد حقيقة الموت وما يرافقه من صمت ووقار. فكلمات قد لا يجرؤ إنسان على قولها أمام نعش شخص راحل، تصبح سهلة الكتابة أمام مقطع فيديو. فحين يتداخل الواقع مع صورته إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما، تكون الرحمة أول ما نفقده.
ويضيف الكاتب أن ثمة عاملًا آخر يزيد من تعقيد المشهد، يتمثل في الشك المتزايد في حقيقة الصور والمقاطع المصورة، في زمن بات فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج مشاهد تبدو واقعية رغم أنها لم تحدث أصلًا.
فأمام مقطع كهذا، قد لا يكون السؤال الأول لدى البعض عن هوية الرجل الذي فقد حياته، بل عمّا إذا كان الفيديو حقيقيًا أم مولّدًا بالذكاء الاصطناعي. ومع الاعتياد على المشاهد المصطنعة، قد تتراجع القدرة على التأثر بما نشاهده، حتى عندما يتعلق الأمر بموت إنسان حقيقي.
ويستشهد بينوتي في هذا السياق برسالة البابا لاون الرابع عشر لليوم العالمي الستين لوسائل التواصل الاجتماعي، التي حذّر فيها من الصعوبة المتزايدة في التمييز بين الواقع والخيال. كما يستعيد تحذير البابا من تأثير الخوارزميات المصممة لزيادة التفاعل، والتي تكافئ الانفعالات السريعة، بينما لا تمنح المساحة نفسها للتعبيرات الإنسانية التي تحتاج إلى وقت، مثل محاولة الفهم والتأمل.
فالحزن على رحيل إنسان يحتاج إلى وقت وصمت وكلمات موزونة، أما التعليق الساخر فلا يحتاج إلا إلى لحظة، ولهذا ينتشر بسرعة أكبر.
ويختتم الكاتب مقاله بالعودة إلى مدينة غواياكيل، حيث تبكي رعية كاهنها، وتنتظر معرفة الأسباب التي أدت إلى سقوط الصليب عليه، فيما يكون آخرون، في أماكن بعيدة، قد انتقلوا بالفعل إلى مشاهدة مقطع آخر.
وبين حزن جماعة فقدت راعيها، وسرعة عالم رقمي ينتقل من مشهد إلى آخر، يطرح بينوتي سؤالًا يلخّص جوهر مقاله: "لقد شاهد عشرات الآلاف وفاة الأب سانشيز موليناري. ويبقى السؤال: كم واحدًا منهم نظر حقًا إلى ما شاهده؟".