موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ١٩ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
ثلاثة أيام في البحر للوصول إلى رعية: أسقف يخدم المؤمنين في آخر العالم

أبونا :

 

في أبرشية لا تشكّل اليابسة سوى 5% من مساحتها، فيما تغطي المياه النسبة المتبقية، يحتاج المطران ياتسيك تيندي، أسقف ألوتاو-سيديا في بابوا غينيا الجديدة، إلى السفر بالقارب لمدة قد تصل إلى ثلاثة أيام لزيارة بعض رعاياه.

 

وفي حديث إلى موقع فاتيكان نيوز بمناسبة اليوم العالمي للرسالات، يروي الأسقف البولندي تفاصيل خدمته في منطقة نائية يصفها بأنها "آخر العالم"، حيث تتحول الزيارات الرعوية إلى رحلات طويلة عبر البحر، وسط تحديات الطبيعة والطقس وصعوبة التنقل.

 

ولم يكن المطران تيندي يتوقع يومًا أن يصبح مرسلًا، فقد أمضى سنوات طويلة مديرًا لمدرسة ثانوية، حتى إن المحيطين به كانوا يعتقدون أنه سيبقى فيها طوال حياته. لكن رسالة إلكترونية تلقاها من الرئاسة العامة لجمعية كهنة الرسالة، بعد نحو شهر من انتخاب البابا فرنسيس عام 2013، غيّرت مسار حياته، إذ تضمنت اقتراحًا بالانتقال إلى بابوا غينيا الجديدة للعمل الرسولي. ويتذكر تلك اللحظة مبتسمًا: "من يذهب إلى الرسالات في سن الخمسين؟".

 

وأمام هذا القرار غير المتوقع، أمضى وقتًا طويلًا في الصلاة أمام القربان، قبل أن يجد في كلمات البابا فرنسيس عن الكنيسة المدعوة إلى الخروج نحو الناس دافعًا لقبول الرسالة. ويقول إنه انطلق إلى وجهته الجديدة دون أن يعرف ما الذي ينتظره، ليتولى لاحقًا إدارة المعهد الإكليريكي، الذي كان يعاني أوضاعًا صعبة، من بينها تسرّب مياه الأمطار عبر الأسقف إلى بعض الغرف.

 

وفي تموز 2025، تلقى دعوة من السفير البابوي الذي أبلغه بأن البابا لاون الرابع عشر عيّنه أسقفًا لأبرشية ألوتاو-سيديا. ورغم دهشته الكبيرة، قبل المهمة، ونال السيامة الأسقفية في 27 أيلول من العام نفسه، لينتقل من العاصمة إلى منطقة نائية تتوزع فيها الجماعات المسيحية على الجزر.

 

وتضم الأبرشية 16 رعية تقع على الجزر، ويشكّل الوصول إليها تحديًا مستمرًا، ولا سيما خلال الظروف الجوية الصعبة. ويقول المطران إن زيارة أبعد الرعايا قد تستغرق ثلاثة أيام بالقارب، لكنه يحرص على الوصول إلى المؤمنين الذين ينتظرون زيارة أسقفهم بشوق، معتبرًا أن هذه اللقاءات تمنحه القوة لمواصلة رسالته.

 

ويستذكر إحدى الزيارات التي كان من المقرر أن يبارك خلالها مدرسة عند الساعة العاشرة صباحًا، إلا أن صعوبة الرحلة البحرية أخّرت وصوله حتى الرابعة عصرًا، رغم إرسال قاربين لمرافقته. ويقول إن رحلة العودة لم تكن أقل صعوبة، مضيفًا أن مثل هذه التجارب تبقى راسخة في الذاكرة.

 

ووسط هذه التحديات، تحتل الصلاة مكانة أساسية في حياة المطران تيندي، الذي ابتكر طريقة خاصة للصلاة أمام القربان الأقدس في الكاتدرائية، نظرًا إلى عدم وجود كنيسة صغيرة داخل مقر إقامته المتواضع، الذي لا يتألف سوى من غرفة واحدة. ويروي مبتسمًا أنه اعتاد المشي أثناء الصلاة أمام القربان لثلاثة أسباب: "أولًا، إذا توقفت عن الحركة فلن يسمح لي البعوض بالصلاة. وثانيًا، حتى لا أغفو أثناء الصلاة. وثالثًا، لأنها رياضة جيدة".

 

ورغم المسافات الطويلة والمخاطر التي ترافق التنقل بين الجزر، يؤكد المطران أن فرحته الكبرى تكمن في لقاء المؤمنين الذين ينتظرونه، وفي رؤية تعطشهم إلى الله. كما يعرب عن ارتياحه لوصول مرسلين جدد إلى بابوا غينيا الجديدة، بما يساعد على مواصلة الخدمة الرعوية والوصول إلى الجماعات المسيحية المنتشرة في المناطق النائية.

 

وتقدّم شهادة المطران تيندي صورة حيّة عن العمل الرسولي في المناطق البعيدة، حيث لا تُقاس الخدمة الكنسية بسهولة الوصول أو توافر الإمكانات، بل بالاستعداد لمرافقة المؤمنين، مهما كانت المسافات والتحديات.