موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قال البابا لاون الرابع عشر، خلال لقائه جماعة المؤمنين في بازيليكا سيدة أفريقيا في الجزائر، إنه يلتقيهم «بفرح كبير ومحبة أبوية»، واصفًا حضورهم بأنه «متواضع وثمين ومتجذر في هذه الأرض». وأشار إلى عمق الجذور المسيحية في الجزائر، مؤكدًا أن المؤمنين هم «ورثة كوكبة من شهود الإيمان الذين بذلوا حياتهم»، ومذكّرًا بأن «دمهم هو بذرة حية لم تتوقف قط عن الإثمار».
وتوقف عند ثلاث ركائز للحياة المسيحية، هي «الصلاة والمحبة والوحدة»، مشددًا على أن «الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون أن يصلي، كما لا يستطيع أن يعيش بدون أن يتنفس»، وأن الصلاة «توحد الناس وتزيدهم إنسانية وتقوي القلب وتنقيه».
وفي حديثه عن المحبة، أشار الأب الأقدس إلى أنها تتجلى في خدمة الأضعف، مؤكدا أن الشهداء «بقوا أمناء للمحبة حتى بذل حياتهم»، وأن شهادتهم تمثل «ينبوع رجاء وبذرة حوار من أجل كل المجتمع». كما دعا إلى تعزيز السلام والوحدة، مستشهدًا بكلام المسيح «السلام عليكم»، ومؤكدًا أن «إذا أحب بعضكم بعضًا، عرف الناس جميعًا أنكم تلاميذي»، مشددًا على أن العيش في وحدة وسلام «علامة كبيرة» في عالم «تنشر فيه الانقسامات والحروب الألم والموت».
كما لفت إلى أن الإيمان «لا يعزل بل يدمج، ويوحد من غير أن يخلط، ويقرب من غير أن يذوب»، داعيًا إلى بناء أخوة حقيقية قائمة على الاحترام والتنوع. وختم البابا لاون الرابع عشر كلمته مشجعًا المؤمنين في الجزائر على مواصلة رسالتهم «كجماعة إيمانية متماسكة ومنفتحة»، مثنيًا على «صلاتكم ومحبتكم وشهادتكم للوحدة»، ومؤكدًا صلاته وبركته لهم.
وفيما يلي النص الكامل للكلمة:
بِاسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس، الإِلَهِ الواحِد.
السَّلامُ لَكُم!
الإِخوَةُ الأَعِزَّاءُ في الأُسقُفِيَّة،
الكَهَنَةُ والشَّمامِسَةُ والرُّهبانُ والرَّاهِباتُ الأَعزَّاء،
الأَبناءُ الأَحِبَّاءُ في كَنِيسَةِ الجزائِر،
بِفَرَحٍ كَبِيرٍ ومَحَبَّةٍ أَبَوِيَّةٍ أَلتَقِي بِكُم اليَوم، أَنتُم الَّذِين تُكَوِّنُونَ حُضورًا مُتَواضِعًا وَثَمِينًا، وَمُتَجَذِّرًا في هذِه الأَرض، الَّتي وُسِمَت بِتارِيخٍ عَرِيقٍ وَشَهاداتِ إيمانٍ مُشرِقَة.
إِنَّ لِجَماعَتِكُم المَسِيحِيَّةِ جُذورًا عَمِيقَةً جدًّا. أَنتُم وَرَثَةُ كَوكَبَةٍ مِن شُهودِ الإيمانِ الَّذين بَذَلُوا حَياتَهُم، تَدفَعُهُم مَحَبَّتُهُم للهِ وِلِلقَريب. أُفَكِّرُ بِشَكلٍ خاصّ في الرُّهبانِ والرَّاهِباتِ التِّسعَةَ عَشر، شُهداءِ الجَزائِر، الَّذين اختارُوا أَن يَبقَوا إلى جانِبِ هذا الشَّعبِ في أَفراحِهِ وآلامِه. دَمُهُم هو بِذرَةٌ حَيَّةٌ لَم تَتَوَقَّفْ قَطّ عَن الإثمار.
أَنتُم أَيضًا وَرَثَةُ تَقلِيدٍ أَقدَمَ بِكَثِير، يَعودُ إلى قُرونِ المَسِيحِيَّةِ الأُولى. في هذِه الأَرضِ تَرَدَّدَ صَوتُ القِدِّيسِ أَغُسطِينُس أُسقِفِ عَنَّابَة، الصَّوتُ المُتَّقِد، وقَد سَبَقَتهُ شَهادَةُ والِدَتِه القِدِّيسَةِ مونيكا في الإيمان، وشَهادَةُ قِدِّيسينَ آخَرين. ذِكراهُم نِداءٌ مُضِيءٌ لِنَكونَ اليومَ عَلاماتٍ صادِقَةً لِلوَحدَةِ والشَّرِكَةِ والحِوارِ والسَّلام.
لَكُم جَميعًا، أَيُّها الأَعِزَّاء، وللَّذينَ يُتابِعونَ هذا اللِقاءَ عَن بُعدٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِم مِنَ الحُضُور، أُعَبِّرُ عَن شُكرِي لالتِزامِكُم اليَومِيّ الَّذي تُظهِرونَ بِهِ الوَجهَ الأُمومِيّ لِلكَنِيسَة. أَشكُرُ صاحِبَ النِّيافَةِ علَى الكَلامِ الَّذي وجَّهَه إليَّ، كَما أَشكُرُ راكيل، وعَلِي، ومونيا، والرَّاهِبَةَ بِرناديت علَى ما شارَكونا بِهِ. علَى ضَوءِ ما أَصغَينا إلَيه، أَوَدُّ أنْ نَتَوَقَّفَ معًا لِنَتَأَمَّلَ في ثَلاثَةِ أَوجُهٍ لِلحَياةِ المَسِيحِيَّةِ أَراها بالِغَةَ الأَهَمِّيَّة، لا سِيَّما لِحُضُورِكُم هنا، وهي: الصَّلاة، والمَحَبَّة، والوَحدَة.
أَوّلًا، الصَّلاة. نَحنُ جَميعًا بِحاجَةٍ إلَيها. شدَّدَ علَى ذلِكَ القِدِّيسُ البابا يوحنَّا بولس الثَّاني عِندَما تَكَلَّمَ معَ الشَّباب، قال: "الإنسانُ لا يَستَطِيعُ أنْ يَعِيشَ بِدونِ أنْ يُصَلِّي، كَما لا يَستَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ بِدونِ أَنْ يَتَنَفَّس" (لقاءٌ مع الشَّبابِ المسلمين في الدَّارِ البيضاء، 19 آب 1985، 4). وكَذَلِكَ قالَ إنَّ الحِوارَ مَعَ اللهِ هو عُنصُرٌ لا غِنَى عَنهُ، لَيسَ فَقَط مِن أَجلِ حَياةِ الكَنِيسَة، بَل مِن أَجلِ حَياةِ كُلِّ إنسان. رأَى ذَلِكَ أَيضًا القِدِّيسُ شارل دي فوكو، الَّذي أَدرَكَ دَعوَتَهُ في أَنْ يَكونَ حاضِرًا بالصَّلاة. كَتَبَ: "أنا سَعِيدٌ، سَعِيدٌ بأَنْ أَكونَ عِندَ أَقدامِ القُربانِ الأَقدَسِ في كلِّ الأَوقات" (رسالة إلى ريمون دي بليك، 9 كانون الأوّل 1907)، وَأَوصَى قائِلًا: "صَلُّوا كَثِيرًا مِن أَجلِ الآخَرِينَ. كَرِّسُوا أَنفُسَكُم لِخلاصِ القَريبِ بِكلِّ الوَسائِلِ المُتاحَةِ لَكُم، بالصَّلاة، واللُّطف، والقُدوَة" (رسالة إلى لويس ماسينيون، 1 آب 1916).
وَفِي هذا الصَّدَد، قالَ لَنا عَلِي، وهو يَتَحَدَّثُ عَن خِبرَةِ خِدمَتِهِ في بازِيلِيكا مَريمَ العذراءَ سَيِّدةِ أَفرِيقيا: يأتِي كَثِيرونَ إلى هنا لِيَعتَكِفُوا في الصَّمت، ولِيَعرِضُوا أمامَ اللهِ هُمُومَهُم وقَلَقَهُم ويُوصُوا بأَحِبَّائِهم، ولِيَلتَقُوا بِمَن هو مُستَعِدٌّ لِلإصغاءِ إِلَيهِم ومُشارَكَتِهِم الأَثقالِ الَّتي يَحمِلُونَها في قلوبِهِم. وَلاحَظَ أَنَّ كَثِيرِينَ يُغادِرُونَ وَهُم مُمتَلِئُونَ بالطُّمَأنِينَةِ والسَّعادَةِ لِمَجِيِئِهم. الصَّلاةُ تُوَحِّدُ النَّاسَ وَتَزِيدُهُم إنسَانِيَّةً، وتُقَوِّي القَلبَ وتُنَقِّيه، والكَنِيسَةُ في الجَزائِر، بِفَضلِ الصَّلاة، تَزرَعُ الإنسانِيَّةَ والوَحدَةَ والقُوَّةَ والطَّهارَةَ مِن حَولِها، فَتَصِلُ إلى أَماكِنَ وسِياقاتٍ لا يَعرِفُها إلَّا الرَّبُّ يَسُوعُ وَحدَهُ.
الوَجهُ الثَّاني مِن الحَياةِ الكَنَسِيَّةِ الَّذي أَوَدُّ أَنْ أَتَوقَّفَ عِندَهُ هو المَحَبَّة. كَلَّمَتنا عَنهُ، بِشكلٍ خاصّ، الرَّاهِبةُ بِرناديت، بِمُشارَكَتِها لَنا خِبرَتَها في مُسَاعَدَةِ الأَطفالِ ذَوِي الإعاقَةِ وذَوِيهِم. نَلمِسُ مِن أَقوالِها قِيمَةَ الرَّحمَةِ والخِدمَة، لَيسَ فَقَط إسنادًا ودَعمًا لأَشَدِّ النَّاسِ ضَعفًا، بَل خُصُوصًا لِتَهيِئَةِ المَجالِ لِلنِّعمَة، حَيثُ يَنمُو ويَغتَنِي كُلُّ مَن يَندَمِجُ فيها. ورَوَت لَنا الرَّاهِبَةُ بِرناديت ماذا نَجَمَ عَن مُبادَرَةِ تَقارُبٍ أُولَى وبَسِيطَة، وهي زِيارَةُ مَرضَى، إذ بَرعَم عَنها، أَوَّلًا نِظامُ استِقبال، ومِن ثَمَّ نِظامُ مُساعَداتٍ مُتَطَوِّر، حتَّى تَكوَّنَت جَماعَةٌ حَقِيقيَّةٌ يَتشَارَكُ فِيها الكَثِيرونَ مُناسَباتِ الفَرَحِ والأَلَم، وتَربِطُهُم عَلاقاتُ ثِقَةٍ وصَداقَةٍ وأُلفَة. في بِيئَةٍ سَلِيمَةٍ وشافِيَةٍ مِثلِ هذِه، لا عَجَبَ أنْ يَجِدَ فيها المُتَأَلِّمونَ المَوارِدَ اللازِمَةَ لِيُحَسِّنُوا صِحَّتَهُم، وفي الوَقتِ نَفسِه، يَنشُرونَ الفَرَحَ للآخَرِين، كَما في حالَةِ فاطِمَة.
ثُمَّ، إنَّ مَحَبَّةَ الإخوَةِ بالتَّحدِيدِ هي الَّتي حَرَّكَت شَهادَةَ الشُّهَداءِ الَّذينَ ذَكَرناهُم. أَمامَ الكَراهِيَةِ والعُنف، بَقُوا أُمَناءَ لِلمَحَبَّةِ حتَّى بَذلِ حياتِهِم، مَعَ كَثِيرِينَ آخَرِينَ مِن رِجالٍ ونِساء، مَسِيحِيِّينَ ومُسلِمِين. عَمِلُوا ذَلِكَ بِدونِ ادِّعاءٍ أو ضَجِيج، بَل بِطُمَأنِينَةٍ وثَباتٍ وبَعِيدًا عَن الوَهمِ واليَأس، لأَنَّهُم يَعرِفُونَ مَنْ الَّذي آمَنُوا بِهِ (راجع 2 طيموتاوس 1، 12). مِن أَجلِ الجَمِيع، نَستَذكِرُ كَلامَ الأَخِ لوقا البَسِيط، وهو الرَّاهِبُ الطَّبِيبُ المُسِنُّ مِن جَماعَةِ مَريَمَ العَذراءَ سَيِّدَةِ الأَطلَس. عِندَما أُتِيحَ لَهُ أنْ يُغادِرَ لِيَنجُوَ مِن أَخطارٍ مُحتَمَلَة، مُقابِلِ التَّخَلِّي عَن مَرضاهِ وأَصدِقائِه، أَجاب: "أُرِيدُ أَنْ أَبقَى مَعَهُم"، وهَكَذا فَعَل. قالَ البابا فرَنسِيس، مُتَذَكِّرًا إيَّاهُ وسَائِرَ الشُّهَداءِ في مُناسَبَةِ تَطويبِهِم: "شَهادَةُ إيمانِهِم الشُّجَاعَةُ هي يَنبُوعُ رَجاءٍ مِن أَجلِ الجَماعَةِ الكاثُولِيكِيَّةِ في الجَزائِرِ وبِذرَةُ حِوارٍ مِن أَجلِ كُلِّ المُجتَمَع. لِيَكُن تَطويبُهُم حافِزًا لِلجَمِيعِ لِبِناءِ عالَمٍ مِن الأُخَوِّةِ والتَّضامُن" ( صلاة المَلاك، 8 كانون الأوّل 2018).
وَنَصِلُ هنا إلى النُّقطَةِ الثَّالِثَةِ مِن تَأَمُّلِنا: الالتِزامُ بِتَعزِيزِ السَّلامِ والوَحدَة. شِعارُ هذِه الزِّيارَةِ هو كَلامُ يسوعَ المَسِيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَموات: "السَّلامُ عَلَيكُم!" (يوحنَّا 20، 21)، في صُورَةٍ مَأخُوذَةٍ مِن فُسَيفَساءِ تِيبازَة يُمكِنُ أَنْ نُتَرجِمَها كَما يَلِي: ”لِنَسأَلِ اللهَ أَنْ يَسُودَ السَّلامُ والوِفاقُ في عَيشِنا معًا“. كانَ السَّلامُ والوِفاقُ مِن مِيزاتِ الجَماعَةِ المَسِيحِيَّةِ مُنذُ بِدايَتِها (راجع أَعمال الرُّسل 2، 42-47)، بِحَسَبِ رَغبَةِ يَسُوعَ نَفسِه (راجع يوحنَّا 17، 23) الَّذي قال: "إِذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضًا، عَرَفَ النَّاسُ جَميعًا أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنَّا 13، 35). وهنا قالَ القِدُّيسُ أَغُسطِينُس إنَّ الكَنِيسَةَ "تَلِدُ شُعوبًا، وَلَكِنَّهُم أَعضاءٌ في شَعبٍ واحِد" (عظة 192، 2)، وكَتَبَ القِدِّيسُ قَبِريانُوس: "أَكبَرُ تَقدِمَةٍ للهِ هي السَّلامُ الَّذي يَسُودُ بَينَنا، وَوِفاقُنا الأَخَويّ، وكَونُنا شَعبًا مُجتَمِعًا في وَحدَةِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس" (صلاة الرّبّ يسوع، 23). حَسَنٌ اليَومَ أَنْ نَجِدَ في ما أَصغَينا إلَيهِ صَدًى لِهذا الغِنَى مِن التَّعلِيمِ والأَمثِلَة.
وَخَيرُ عَلامَةٍ علَى ذَلِك، كَما ذَكَّرَنا صَاحِبُ النِّيافَة، هي هذِه البازِيلِيكا نَفسُها، رَمزُ كَنِيسَةٍ مُكَوَّنَةٍ مِن حِجارَةٍ حَيَّة، فيها تُبنَى، تَحتَ مَظَلَّةِ مَريَمَ العَذراءَ سَيِّدَةِ أفرِيقيا، وَحدَةٌ وشَرِكَةٌ بَينَ المَسِيحِيِّينَ والمُسلِمِين. هنا حُبُّ السَّيِّدَةِ مَريَمَ العَذراء (لَلا مريم - الوالِدِيّ يُوَحِّدُ الجَمِيعَ علَى البُنُوَّة، كلٌّ غَنِيٌّ بِتَنَوُّعِه، ويَجمَعُ بَينَهُم التَطَلُّعُ إلى الكَرامَةِ والمَحَبَّةِ والعَدلِ والسَّلام. إنَّهُم أَبناءٌ يَتوقونَ إلى السَّير، والعَيش، والصَّلاة، والعَمَل، والحُلمِ معًا، لأنَّ الإِيمانَ لا يَعزِلُ بَل يَدمِج، وَيُوَحِّدُ مِن غَيرِ أَنْ يَخلِط، ويُقَرِّبُ مِن غَيرِ أَنْ يُذَوِّب، ويُنَمِّي أُخُوَّةً حَقِيقِيَّة، كَما قالَت مونيا، وكَما شَهِدَت راكيل بِمُشارَكَةِ خِبرَتِها في جمَاعَةِ تلِمْسِين. في عالَمٍ تَنشُرُ فِيهِ الانقِساماتُ والحُروبُ الأَلَمَ والمَوتَ بَينَ الأُمَم، وفي الجَماعاتِ وحتَّى داخِلِ العائِلات، فإِنَّ عَيشَكُم في وَحدَةٍ وسَلامٍ هو عَلامَةٌ كَبِيرة. إِنَّكُم، بِوَحدَتِكُم، تَنشُرونَ الأُخُوَّة، فَتُلهِمُونَ الَّذينَ حَولَكُم رَغباتٍ ومَشاعِرَ وَحدَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُصَالَحَة، بِرِسالَةٍ أَقوَى وأَكثَرَ صَفاءً لأَنَّها تُعاشُ بِبَساطَةٍ وتَواضُع.
تَمتَدُّ الصَّحراءُ علَى جُزءٍ كَبِيرٍ مِن أَراضِي هذا البَلَد، وفي الصَّحراءِ لا يَستَطِيعُ الإنسانُ أَنْ يَعِيشَ وَحدَهُ. قَساوَةُ الطَّبِيعَةِ تُزِيلُ كُلَّ غُرورٍ واكتِفاءٍ ذاتِيّ، وَتُذَكِّرُ الجَمِيعَ بأَنَّنا بِحاجَةِ بَعضُنا إلى بَعض، وبِأَنَّنا بِحاجَةٍ إلى الله. الاعتِرافُ بِضَعفِنا هو ما يَفتَحُ القَلبَ علَى الدَّعمِ المُتَبادَلِ وعلَى التَّوَجُّهِ إلى اللهِ الَّذي يَستَطِيعُ أَنْ يَمنَحَ ما لا تَستَطِيعُ أَيَّةُ سُلطَةٍ بَشَرِيَّةٍ أَنْ تَمنَحَهُ وهو المُصالَحَةُ العَمِيقَةُ لِلقلوب، وَمَعَها السَّلامُ الحَقِيقِيّ.
لِذَلِك، أَيُّها الإخوَةُ والأَخَواتُ الأَعِزَّاء، أُشَجِّعُكُم علَى أَنْ تُتابِعُوا عَمَلَكُم في أَرضِ الجَزائِر، كَجَماعَةٍ إيمانِيَّةٍ مُتَماسِكَةٍ ومُنفَتِحَة، وهو حُضورٌ لِلكَنِيسَةِ الَّتي هي "سِرُّ الخَلاصِ الشَّامِل" (راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، نور الأمم، 48). أَشكُرُكُم علَى كُلِّ ما تَقُومُونَ بِهِ، وعلَى صَلاتِكُم، وَمَحَبَّتِكُم، وَشَهادَتِكُم لِلوَحَدَة. أُؤَكِّدُ لَكُم صَلاتِي أَمامَ الله، وَأُوكِلُكُم إلى مَريَمَ العَذراءَ سَيِّدِةِ أَفرِيقيا، وَأُبارِكُكُم مِن كُلِّ قَلبِي.