موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قال البابا لاون الرابع عشر إن زيارته إلى الجزائر تأتي «حاجًا ساعيًا إلى السلام»، مؤكدًا في خطابه أمام السلطات وممثلي المجتمع المدني وأعضاء السلك الدبلوماسي أهمية اللقاء والحوار في عالم يزداد انقسامًا. وأشاد بقيم التضامن وقبول الآخر لدى الشعب الجزائري، معتبرًا أنها تشكّل أساسًا لبناء مجتمع أكثر عدلًا، محذرًا من تفاقم اللامساواة واستغلال الإنسان.
وحذّر من أن «الدين بدون رحمة والحياة الاجتماعية بدون تضامن هما معثرة وشك في عيني الله»، منتقدًا مجتمعات «تعتقد أنها متقدمة» فيما تنحدر نحو مزيد من الإقصاء. وأضاف أن «الأشخاص والمنظمات التي تسيطر على الآخرين، الأمر الذي تعرفه أفريقيا جيّدًا، تدمّر العالم الذي خلقه الله تعالى لكي نعيش فيه معًا»، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للعدالة وكرامة الإنسان.
وشدّد على أن «قوة البلد الحقيقية» تكمن في تعاون الجميع لتحقيق الخير العام، مؤكدًا أن السلطات «ليست مدعوة إلى السيطرة بل إلى خدمة الشعب وازدهاره»، وأن السياسة تفقد معناها من دون عدالة «إذ لا سلام حقيقي بدونها». وأكد أن الكنيسة الكاثوليكية تسعى إلى الإسهام في الخير العام، وتعزيز دورها «كجسر بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب»، في وقت تتصاعد فيه التوترات والانقسامات عالميًا.
السَّيِّدُ الرَّئِيس،
السُّلُطاتُ والسِّلكُ الدِّبلُوماسِيّ المُحتَرَمِين،
سَيِّداتِي وسادَتي،
أُعرِبُ عَن شُكرِي العَمِيقِ لِدَعوَتِي إلى زِيارَةِ الجَزائِر، الَّتي تَسَلَّمتُها في بِدايَةِ خِدمَتِي البابَوِيَّة. شُكرًا لِحَفاوَةِ استِقبالِكُم! أَنتُم تَعلَمُونَ أَنَّنِي زُرتُ عنَّابَةَ مَرَّتَينِ مِن قَبل، في عامَي 2001 و2013، بِصِفَتِي ابنًا رُوحِيًّا لِلقِدِّيسِ أَغُسطِينُس، وأَشكُرُ العِنايَةَ الإِلَهِيَّة، لأَنَّها رَتَّبَت، بِحَسَبِ تَدبِيرِها الخَفِيّ، أَنْ أَعُودَ إِلَيكُم كَخَلِيفَةٍ لِلقِدِّيس بُطرُس. جِئتُ إِلَيكُم حاجًّا ساعِيًا إِلَى السَّلام، وَكُلِّي شَوقٌ إِلى أَنْ أَلتَقِيَ شَعبَ الجَزائِرِ النَّبِيل. نَحنُ إِخوَةٌ وأَخَوات، لأَنَّ لَنا أَبًا واحِدًا في السَّماء: الحِسُّ الدِّينِيّ العَمِيقُ لِشَعبِ الجَزائِرِ هو سِرُّ ثَقافَةِ اللِقاءِ والمُصالَحَة، وأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ زِيارَتِي هذِه أَيضًا عَلامَةً لَها. في عالَمٍ مَلِيءٍ بالصِّراعاتِ وَسُوءِ الفَهم، لِنَلتَقِ وَلْنَسعَ إِلى أَنْ نَفهَمَ بَعضُنا بَعضًا، وَنَعتَرِفَ بأَنَّنا عائِلَةٌ واحِدَة! اليَوم، إِنَّ بَساطَةَ هذا الوَعِي هي المِفتاحُ الَّذي يَفتَحُ أَبوابًا كَثِيرةً مُغلَقَة.
أَيُّها الإِخوَةُ والأَخَواتُ الأَعِزَّاء، جِئتُ إِلَيكُم شاهِدًا لِلسَّلامِ والرَّجاءِ اللذَينِ يَتُوقُ إِلَيهِما العالَمُ بِشِدَّة، واللذَينِ سَعَى إِلَيهِما شَعبُكُم دائِمًا: شَعبٌ لَمْ تَهزُمْهُ المِحَنُ قَطّ، لأَنَّهُ مُتَجَذِّرٌ في قِيَمِ التَّضامُنِ وَتَقَبُّلِ الآخَرِ وَرُوحِ الجَماعَةِ الَّتي تَنسِجُها حَياةُ المَلايِينِ اليَومِيَّةُ مِن النَّاسِ المُتواضِعِينَ والطَّيِّبِين. هُم الأَقوِياء، وَهُم المُستَقبَل: هُم الَّذِينَ لا تَعمِيهُم القُوَّةُ والغِنَى، ولا يُضَحُّونَ بِكَرامَةِ مُواطِنِيهِم في سَبِيلِ مَنفَعَتِهِم الشَّخصِيَّةِ أَو مَنفَعَةِ جَماعَةٍ دُونَ أُخرَى. وَبِصُورَةٍ خاصَّة، شَهِدتُ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ كَيفَ يُظهِرُ شَعبُ الجَزائِرِ كَرَمًا كَبِيرًا تُجاهَ المُواطِنِينَ والغُرَباءِ عَلَى حَدٍّ سَواء. وَيَظهَرُ هذا المَوقِفُ مِن خِلالِ حُسنِ الضِّيافَةِ المُتَجَذِّرَةِ بِعُمقٍ في جَماعاتِ العَرَبِ والبَربَر، وهُو واجِبٌ مَقُدَّسٌ نَتَمَنَّى أَنْ نَجِدَهُ في كُلِّ مَكان، وَقِيمَةٌ اجتِماعِيَّةٌ أَساسِيَّة. وَكَذَلِك الأَمرُ بالنِّسبَةِ لِلصَّدَقَة. هِي مُمَارَسَةٌ شائِعَةٌ وَطَبِيعِيَّةٌ بَينَكُم، حَتَّى لَدَى ذَوِي الدَّخلِ المَحدُود. في الأَصل، كَلِمَةُ ”صَدَقَة“ تَعنِي الصِّدقَ والعَدل: وَهُوَ عَدَمُ الاحتِفاظِ بِما نَملِكُ لِأَنفُسِنا، بَل نَتَشارَكُ فِي ما نَملِكُ مَعَ الآخَرِين، وهَذِهِ فِي الواقِعِ مَسأَلَةُ عَدل. الظَّالِمُ هو مَن يَجمَعُ الثَّرَواتِ وَيَبقَى غَيرَ مُبالٍ بالآخَرِين. رُؤيَةُ العَدلِ هَذِهِ بَسِيطَةٌ وَجَذرِيَّة: إِنَّها تَعتَرِفُ بِالآخَرِ كَصُورَةٍ لله. إِنَّ الدِّيانَةَ بِدُونِ رَحمَة، والحَياةَ الاجتِماعِيَّةَ بِدُونِ تَضامُن، هُما مَعثَرَةٌ وَشَكٌّ فِي عَينَي الله. مَعَ ذَلِك، فإِنَّ مُجتَمَعاتٍ كَثِيرَةً اليَومَ تَعتَقِدُ أَنَّها مُتَقَدِّمَة، وَما زالَتْ تَزدَادُ انحِدارًا في اللامُساواةِ والإِقصاء. الأَشخاصُ والمُنَظَّماتُ الَّتي تُسَيطِرُ عَلَى الآخَرِين، وَهَذا الأَمرُ تَعرِفُهُ أَفرِيقيا جَيِّدًا، تُدَمِّرُ العالَمَ الَّذي خَلَقَهُ اللهُ تَعالَى لِكَي نَعِيشَ فِيهِ مَعًا.
إِنَّ الأَحداثَ التَّارِيخِيَّةَ المَأساوِيَّةَ الَّتي جَرَتْ في الماضِيّ زَوَّدَتْ بَلَدَكُم بِنَظرَةٍ عَمِيقَةٍ ثاقِبَةٍ على التَّوازُناتِ العالَمِيَّة. إِنْ عَرَفتُم أَنْ تَدخُلُوا في حِوارٍ مَعَ مَطالِبِ الجَمِيع، وَأَنْ تَتَضامَنُوا مَعَ آلامِ دُوَلٍ كَثِيرَةٍ قَرِيبَةٍ وَبَعِيدَة، سَتَكُونُ خِبرَتُكُم قادِرَةً عَلَى الإِسهامِ في رُؤيَةِ وتَحقِيقِ المَزِيدِ مِنَ العَدلِ بَينَ الشُّعُوب. في الواقِع، يُمكِنُكُم أَنْ تَصِيرُوا فاعِلِينَ أَساسِيِّينَ في مَسارٍ جَدِيدٍ لِلتارِيخ، لَيسَ بِتَفاقُمِ سُوءِ الفَهمِ والصِّراعات، بَل بِاحتِرامِ كَرامَةِ كُلِّ إِنسان، والشُّعُورِ بِأَلَمِ الآخَرِين، وَهُو أَمرٌ ضَرُورِيٌّ وَمُلِّحٌ اليَومَ أَكثَرُ مِن قَبلُ أَمامَ انتِهاكاتِ القانُونِ الدَّوْلِيّ المُستَمِرَّة، والنِّزَعاتِ ذاتِ الطَّابِعِ الاستِعمارِيّ الجَدِيد.
سَبَقَ وأَدرَكَ أَسلافي بِوُضُوحٍ البُعدَ التَّارِيخِيّ لِهَذا التَّحَدِّي. رَأَى البابا بِنِدِكتُس السَّادِسَ عَشرَ أَنَّ "مَساراتِ العَولَمَة، إِنْ فُهِمَتْ وَوُجِّهَتْ بِشَكلٍ صَحِيح، تَفتَحُ إِمكانِيَّةً غَيرَ مَسبُوقَةٍ لإِعادَةِ تَوزِيعِ الثَّرَواتِ عَلَى نِطاقٍ واسِعٍ عَلَى الصَّعِيدِ العالَمِيّ. أَمَّا إِنْ أُسِيئَ تَوجِيهُها، فَيُمكِنُها أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى زِيادَةِ الفَقرِ واللامُساواة، بَل وَقَدْ تُشعِلُ أَزمَةً عالَمِيَّة" (الرِّسالة البابويَّة العامَّة، المحبَّة في الحقّ، 42). وَأَشارَ البابا فَرَنسِيس، استِنادًا إِلَى خِبرَتِهِ الطَّوِيلَةِ في تَناقُضاتِ الجَنُوبِ العَالَمِيّ، إِلَى أَهَمِّيَّةِ ما لا يُمكِنُ أَنْ يَفهَمَهُ سِوَى مَن يَعِيشُ عَلَى هامِشِ مَراكِزِ السُّلطَةِ وَصُنعِ القَرارِ الكُبرَى. كَتَب: "مِن الضَّرُورِيّ أَنْ نُفَكِّرَ فِي المُساهَمَةِ الاجتِماعِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ والاقتِصادِيَّةِ بِطَرِيقَةٍ تَشمَلُ الحَرَكاتِ الشَّعبِيَّةَ وَتَرفِدُ المُؤَسَّسَاتِ الحُكُومِيَّةَ المَحَلِّيَّةَ والوَطَنِيَّةَ والدَّولِيَّةَ بِتِلكَ الطَّاقَةِ الأَخلاقِيَّةِ الَّتي تَنشَأُ عَن إِشراكِ المُستَبعَدِينَ في بِناءِ المَصِيرِ المُشتَرَك" (الرِّسالة البابويَّة العامَّة، كلُّنا إخوَة، 169).
لِذَلِك أَدعُوكُم، أَنتُم أَصحابَ السُّلطَةِ في هَذا الوَطَن، إِلَى عَدَمِ الخَوفِ مِن هذِه الرُّؤيَة، وإِلَى تَعزِيزِ مُجتَمَعٍ مَدَنِيٍّ نابِضٍ بِالحَياة، مُجتَمَعٍ دِينامِيكِيّ، وَحُرّ، يَعتَرِفُ بِقُدرَةِ الشَّباب، خاصَّةً، عَلَى المُساهَمَةِ في تَوسِيعِ آفاقِ الرَّجاءِ مِن أَجلِ الجَمِيع. قُوَّةُ البَلَدِ الحَقِيقِيَّةُ هي في تَعاوُنِ الجَمِيعِ لِتَحقِيقِ الخَيرِ العام. فالسُّلُطاتُ لَيسَتْ مَدعُوَّةً إِلَى السَّيطَرَة، بَل إِلَى خِدمَةِ الشَّعبِ وازدِهارِه. لِذَلِك، يَجِدُ العَمَلُ السِّياسِيُّ مِعيارَهُ في العَدل، الَّذي بِدُونِهِ لا يُوجَدُ سَلامٌ حَقِيقِيّ، وَيَتَجَلَّى في تَوفِيرِ ظُرُوفٍ مُتَساوِيَةٍ وَكَرِيمَةٍ لِلجَمِيع. الكَنِيسَةُ الكاثُولِيكِيَّةُ أَيضًا، بِجَماعاتِها المُؤمِنَةِ وَبِمُبادَراتِها، تَوَدُّ أَنْ تُسهِمَ في الخَيرِ العامِ في الجَزائِر، وَأَنْ تُقَوِّيَ هَوِيَّتَها الخاصَّةَ كَجِسرٍ بَينَ الشَّمالِ والجَنُوب، وَبَينَ الشَّرقِ والغَرب.
البَحرُ الأَبيَضُ المُتَوَسِّطُ مِن جِهَة، والصَّحراءُ مِن جِهَةٍ أُخرَى، هُما في الواقِعِ مُفتَرَقُ طُرُقٍ جُغرافِيٌّ وَرُوحِيٌّ بالِغُ الأَهَمِّيَّة. إِنْ تَعَمَّقنا في تارِيخِهما، بَعِيدًا عَنِ التَّبسِيطاتِ والأَيديُولُوجِيَّات، وَجَدنا فِيهِما كُنُوزًا هائِلَةً مَخفِيَّةً مِنَ الإِنسانِيَّة، لأَنَّ البَحرَ والصَّحراءَ هُما أَماكِنُ لِلغِنَى المُتَبادَلِ بَينَ الشُّعُوبِ والثَّقافَات، مُنذُ آلافِ السِّنِين. الوَيلُ لَنا إِنْ حَوَّلناهُما إِلَى مَقابِرَ يُدفَنُ فِيها الرَّجاء! لِنُحَرِّرْ مِنَ الشَّرِّ هَذَينِ الحَوضَينِ الشَّاسِعَينِ مِنَ التَّارِيخِ والمُستَقبَل! لِنُكَثِّرْ واحاتِ السَّلام، وَلْنُنَدِّدْ بِأَسبابِ اليَأَسِ حَتَّى إِزالَتِها، وَلْنُحارِبِ الَّذِينَ يَستَغِلُّونَ مآسِي الآخَرِين! في الواقِع، إِنَّ المَكاسِبَ الَّتي يَجنِيها مَن يُراهِنُونَ عَلَى حَياةِ الإِنسان، الَّتي لا يَجوزُ انتِهاكُ كَرامَتِها، هِي أَرباحٌ مُحَرَّمَةٌ وَغَيرُ مَشرُوعَة. لِنُوَحِّدْ، إِذًا، قِوانا وَطاقاتِنا الرُّوحِيَّة، وَكُلَّ ذَكاءٍ وَمورِدٍ يَجعَلُ مِنَ الأَرضِ والبَحرِ أَماكِنَ حَياةٍ وَلِقاءٍ وَدَهشَة. لِيَلمِسْ جَمالُهُما المَهِيبُ قَلبَنا، وَلْنَسمَحْ لامتِدادِهِما اللامَحدُودِ أَنْ يُثِيرَ فِينا تَساؤُلاتٍ مُتَسامِيَة. البَحرُ الأَبيَضُ المُتَوَسِّط، والصَّحراء، والسَّماءُ الواسِعَةُ الَّتي تَعلُوهُما، يَهمِسُونَ لَنا بِأَنَّ الواقِعَ يَتَجاوَزُنا مِن كُلِّ جانِب، وَأَنَّ اللهَ كَبِيرٌ حَقًّا، وَأَنَّنا نَعِيشُ كُلَّ شَيءٍ في سِرِّ حُضُورِه.
وَلِهَذا الفِكرِ تَداعِياتٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا عَلَى الواقِع. ومَا أَكثَرَ مَن يَستَخِفُّونَ بِهِ اليَوم. إِنْ نَظَرنا جَيِّدًا، نَجِدُ أَنَّ المُجتَمَعَ الجَزائِرِيَّ أَيضًا يَعِيشُ تَجاذُبًا بَينَ الحِسِّ الدِّينِيّ والحَياةِ الحَدِيثَة. هُنا، كَما فِي كُلِّ أَنحاءِ العالَم، أَخَذَتْ بِالظُّهُورِ دِينامِيَّاتٌ مُتَعارِضَةٌ مِنَ الأُصُولِيَّةِ أَو العَلمَنَة، يَفقِدُ بِسَبَبِها كَثِيرُونَ الإِحساسَ الحَقِيقِيَّ باللهِ وبِكَرامَةِ جَمِيعِ مَخلُوقاتِه. إِذَّاك، يُمكِنُ أَنْ تَصِيرَ الرُّمُوزُ والكَلامُ الدِّينِيّ، مِن جِهَة، لُغَةَ تَجدِيفٍ وَعُنفٍ واستِقواء، وَمِن جِهَةٍ أُخرَى، عَلاماتٍ بِلا مَعنَى، في سُوقِ الاستِهلاكِ الكَبِيرِ الَّذي لا يَشبَعُ فِيهِ أَحَد.
وَمَعَ ذَلِك، لا يَجُوزُ لِهَذِهِ الاستِقطاباتِ المُؤسِفَةِ أَنْ تُخِيفَنا، بَل يَجِبُ أَنْ نُواجِهَهَا بِذَكاء. إِنَّها عَلامَةٌ عَلَى أَنَّنا نَعِيشُ زَمَنًا غَيرَ عادِيٍّ يَدعُو إِلَى تَجَدُّدٍ كَبِير، بِحَيثُ يَستَطِيعُ كُلُّ مَن يُحافِظُ عَلَى حُرِّيَّةِ قَلبِهِ واستِقامَةِ ضَمِيرِهِ أَنْ يَستَمِدَّ مِنَ التَّقالِيدِ الرُّوحِيَّةِ والدِّينِيَّةِ الكُبرَى رُؤَى واقِعٍ جَدِيدَةً، وَدَوافِعَ التِزامٍ راسِخَة. مِنَ الضَّرُورِيّ أَنْ نُرَبِّيَ عَلَى الحِسِّ النَّقدِيِّ والحُرَّيَّة، وَعَلَى الإِصغاءِ والحِوار، وَعَلَى الثِّقَةِ الَّتي تَجعَلُنا نَرَى فِي المُختَلِفِ عَنَّا رَفِيقَ دَرب، لا تَهدِيدًا لَنا. يَجِبُ عَلَينا أَنْ نَعمَلَ عَلَى شِفاءِ الذَّاكِرَةِ والمُصَالَحَةِ بَينَ الخُصُومِ القُدُامى. إِنَّها العَطِيَّةُ الَّتي أَطلُبُها مِنْ أَجلِكُم، وَمِنْ أَجلِ الجَزائِر، وَمِنْ أَجلِ كُلِّ شَعبِها، سائِلًا اللهَ تَعالَى بَرَكاتِهِ الغَزِيرَةَ عَلَيكُم.