موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«السلام عليكم!»... بهذه الكلمات استهلّ البابا لاون الرابع عشر تحيته إلى شعب الجزائر، في مقام الشهيد في الجزائر العاصمة، الذي يُخلّد ضحايا حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي (1954–1962)، مشيرًا إلى أنّ الوقوف عند هذا النصب هو «تكريمٌ لتاريخ الجزائر، ولروح شعبٍ ناضل من أجل استقلال وكرامة وسيادة هذه الأمة».
وقال إنّ «الله يريد السلام لكلّ أمة: سلامًا ليس فقط بمعنى غياب الصراع، بل أيضًا تعبيرًا عن العدل والكرامة»، مشدّدًا على أن «السلام الذي يسمح بالتطلّع إلى المستقبل بقلبٍ متصالح لا يمكن تحقيقه إلا بالمغفرة». وأضاف أن «النضال الحقيقي من أجل التحرّر لن يُحسم نهائيًا إلا حين يسود السلام في القلوب».
ولفت قداسته قائلاً: «أعلم كم تصعب المغفرة»، مشيرًا إلى أنه «وبينما تتزايد الصراعات في كلّ أنحاء العالم، لا يجوز للأحقاد أن تتراكم بعضها فوق بعض، جيلًا بعد جيل». كما شدّد على أن «المستقبل هو في يد الرجال والنساء، صنّاع السلام»، وأنه «في النهاية، سينتصر العدل على الظلم دائمًا، كما أن العنف، بالرغم من كلّ المظاهر، لن تكون له الكلمة الأخيرة أبدًا».
وأضاف البابا لاون أن «في هذه الأرض، ملتقى الثقافات والأديان، إنّ الاحترام المتبادل هو الطريق الذي يمكّن الشعوب من السير معًا»، داعيًا إلى أن تبقى الجزائر «قادرة على مواصلة إسهامها في الاستقرار والحوار». واختتم قداسته مستشهدًا بتطويبات السيد المسيح في عظة الجبل: «طوبى لصانعي السلام»، شاكرًا حسن الاستقبال ومباركًا الشعب الجزائري.
أَيُّها الإخوَةُ والأَخَواتُ الأَعِزَّاءُ في الجَزائِر،
السَّلامُ عَلَيكُم!
أَشكُرُ اللهَ الَّذي أَتاحَ لِي الفُرصَةَ لِزِيارَةِ بَلَدِكُم بِصِفَتِي خَلِيفَةَ الرَّسُولِ بُطرُس، بَعدَ أَنْ زُرتُهُ فِي السَّابِقِ مَرَّتَينِ بِصِفَتِي راهِبًا مِن رَهبَنَةِ القِدِّيسِ أَغُسطِينُس. غَيرَ أَنَّنِي، قَبلَ كلُّ شَيء، أَقِفُ أَمامَكُم أَخًا، سَعِيدًا بأَنْ أُجَدِّدَ، فِي هَذا اللِقاء، رَوابِطَ المَوَدَّةِ الَّتِي تُقَرِّبُ بَينَ قُلُوبِنا.
أَنظُرُ إِلَيكُم جَمِيعًا، وَأَرَى وَجهَ شَعبٍ قَوِيٍّ شَاب، سَبَقَ وَلَمَستُ فِيهِ كَرَمَ الضِّيافَةِ والأُخُوَّة. فَفِي قَلبِ الجَزائِرِيِّين، لا تَقتَصِرُ الصَّداقَةُ والثِّقَةُ والتَّضامُنُ علَى الكَلِمات، إِنَّمَا هِيَ قِيَمٌ لَها وَزنُها وتُضفِي دِفئًا وَمَتانَةً علَى العَيشِ معًا.
الجَزائِرُ بَلَدٌ نَبِيل، ذُو تارِيخٍ عَرِيقٍ وَغَنِيٍّ بِتَقالِيدِه، مُنذُ زَمَنِ القِدِّيسِ أَغُسطِينُس وَقَبلَ ذَلِكَ بِكَثِير. وَهُوَ أَيضًا تارِيخٌ عَرَفَ الأَلَم، وعَانَى مِن فَتَراتِ عُنف، لَكِنَّكُم، بِفَضلِ سُمُوِّ الرُّوحِ الَّذي يُمَيِّزُكُم، والَّذي أَلمِسُهُ حَيًّا هُنا الآن، قَد عَرَفتُم أَنْ تَتَجاوَزُوا كُلَّ ذَلِكَ بِشَرَفٍ وشَجاعَة.
إِنَّ الوُقُوفَ عِندَ هذا النُّصبِ التَّذكارِيّ هُوَ تَكرِيمٌ لِتارِيخِ الجَزائِر، وَلِرُوحِ شَعبٍ ناضَلَ مِن أَجلِ استِقلالِ وَكَرامَةِ وَسِيادَةِ هذِهِ الأُمَّة.
فِي هَذا المَقام، نَستَذكِرُ أَنَّ اللهَ يُرِيدُ السَّلامَ لِكُلِّ أُمَّة: سَلامًا لَيسَ فَقَط بِمَعنَى غِيابِ الصِّراع، بَل أَيضًا تَعِبِيرًا عَنِ العَدلِ والكَرامَة. وَهَذا السَّلام، الَّذي يَسمَحُ بالتَطَلُّعِ إِلَى المُستَقبَلِ بِقَلبٍ مُتَصالِح، لا يُمكِنُ تَحقِيقُهُ إِلَّا بالمَغفِرَة. إِنَّ النِّضالَ الحَقِيقِيَّ مِن أَجلِ التَّحَرُّرِ لَنْ يُحسَمَ نِهائِيًّا إلَّا حِينَ يَسُودُ السَّلامُ فِي القُلُوب. أَعلَمُ كَم تَصعُبُ المَغفِرَة. وَمَعَ ذَلِك، وَبَينَما تَتَزايَدُ الصِّراعاتُ فِي كُلِّ أَنحاءِ العالَم، لا يَجُوزُ لِلأَحقادِ أَنْ تَتَراكَمَ بَعضُها فَوقَ بَعضٍ، جِيلًا بَعدَ جِيل.
المُستَقبَلُ هُوَ فِي يَدِ الرِّجالِ والنِّساء، صُنَّاعِ السَّلام. وَفِي النِّهايَة، سَيَنتَصِرُ العَدلُ عَلَى الظُّلمِ دائِمًا، كَما أَنَّ العُنف، بالرَّغمِ مِن كُلِّ المَظاهِر، لَنْ تَكُونَ لَهُ الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ أبدًا.
فِي هذِه الأَرض، مُلتَقَى الثَّقافاتِ والأَديان، إِنَّ الاحتِرامَ المُتَبادَلَ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذي يُمَكِّنُ الشُّعُوبَ مِنَ السَّيرِ معًا. أَرجُو أَنْ تَبقَى الجَزائِر، وَهِيَ القَوِّيَةُ بِجُذورِها وأَمَلِ شَبابِها، قادِرَةً عَلَى مُواصَلَةِ إِسهَامِها فِي الاستِقرارِ والحِوارِ داخِلَ المُجتَمَعِ الدَّوْلِيّ وعَلَى ضِفَّتَيِ البَحرِ الأَبيَضِ المُتَوَسِّط.
كُلُّ شَعبٍ يَحتَفِظُ بِتُراثٍ فَرِيدٍ مِنَ التَّارِيخِ والثَّقافَةِ والإِيمان. وَتَمتَلِكُ الجَزائِرُ أَيضًا هذا الغِنَى الَّذي عَزَّزَ مَسِيرَتَها في الأَوقاتِ الصَّعبَة، ولا يَزالُ يُوَجِّهُ مُستَقبَلَها. في هذا التُّراث، يَحتَلُّ الإيمانُ بِاللهِ المَقامَ الأَوَّل: فَهُوَ يُنِيرُ حَياةَ النَّاس، وَيُسنِدُ وَيَدعَمُ العَائِلات، وَيُلهِمُ رُوحَ الأُخُوَّة. والشَّعبُ الَّذي يُحِبُّ اللهَ يَمتَلِكُ الغِنَى الحَقِيقِيّ، وَشَعبُ الجَزائِرِ يَحتَفِظُ بِهَذِهِ الجَوهَرَةِ في خَزائِنِ كُنُوزِهِ. عَالَمُنا بِحاجَةٍ إِلَى مُؤمِنِينَ مِن هَذا النَّمَط، رِجالًا وَنِساءً مُمتَلِئِينَ إِيمانًا، وَمُتَعَطِّشِينَ إِلَى العَدلِ والوَحدَة. لِذَلِك، وأَمامَ إِنسانِيَّةٍ تَتُوقُ إِلَى الأُخُوَّةِ والمُصالَحَة، إِنَّ إِعلانَنا القَوِيَّ وَعَيشَنا الدَّائِم، معًا، كَإِخوَةٍ فِيما بَينَنا وأَبناءٍ لله، هُوَ نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ والتِزامٌ مُبارَك.
إِلَى الَّذِينَ يَسعَونَ وَراءَ غِنَى زائِل، يَخدَعُ وَيُخَيِّبُ الآمال، وَكَثِيرًا مَا يُفسِدُ لِلأَسَفِ قَلبَ الإِنسان، وَيُوَلِّدُ الحَسَدَ والمُخاصَماتِ والصِّراعات، مَا زالَ السَّيِّدُ المَسِيحُ يُكَرِّرُ السُّؤالَ الَّذِي طَرَحَهُ قَبلَ أَلفَي سَنَة: "ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لَو رَبِحَ العالَمَ كُلَّهُ وخَسِرَ نَفسَهُ؟" (متَّى 16، 26). إِنَّهُ سُؤالٌ أَساسِيٌّ لِلجَمِيع، وَقَد أَجابَ عَنهُ الَّذِينَ سَبَقُونا ويُكَرَّمُونَ هُنا. لَقَد فَقَدُوا حَياتَهُم، بَل بَذَلُوها حُبًّا لِشَعبِهِم. لِيَكُنْ تارِيخُهُم سَنَدًا لِشَعبِ الجَزائِرِ وَلَنا جَمِيعًا فِي مَسِيرَتِنا: لأَنَّ الحُرِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا نَرِثُها فَحَسب، بَل نَختَارُها كُلَّ يَوم.
اسمَحُوا لِي، إذًا، أَنْ أَختَتِمَ حَدِيثِي مُكَرِّرًا كَلِماتِ السَّيِّدِ المَسِيحِ لِتَلامِيذِه، تِلكَ الَّتِي نُسَمِّيها ”عِظَةُ الجَبَلِ“ أَو التَّطوِيبات:
"طُوبَى لِفُقَراءِ الرُّوح،
فإِنَّ لَهُم مَلكُوتَ السَّمَوات.
طُوبَى لِلْمَحْزُونِين، فإِنَّهُم يُعَزَّون.
طُوبَى لِلوُدَعاء،
فإِنَّهُم يَرِثونَ الأَرض.
طُوبَى لِلْجِياعِ والعِطاشِ إِلَى البِرّ،
فإِنَّهُم يُشبَعُون.
طُوبَى لِلرُّحَماء، فإِنَّهُم يُرْحَمُون.
طُوبَى لأَطهارِ القُلُوب،
فإِنَّهُم يُشاهِدُونَ الله.
طُوبَى لِلسَّاعِينَ إِلَى السَّلام،
فإِنَّهُم أَبناءَ اللهِ يُدعَون.
طُوبَى لِلمُضطَهَدِينَ عَلَى البِرّ،
فإِنَّ لَهُم مَلكُوتَ السَّمَوات" (متَّى 5، 3-10).
شُكرًا لِحُسنِ استِقبالِكُم! بارَكَكُم الله!