موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تلا البابا فرنسيس ظهر اليوم الأحد صلاة التبشير الملائكي، وتحدث قبلها إلى المؤمنين والحجاج في ساحة القديس بطرس عن إنجيل اليوم والذي يروي لنا كيف يدعو يسوع إلى أن نَعرض الخد الآخر لمن يلطمنا على خدنا الأيمن وأن نحب أعداءنا (متى 5: 38-48). وتوقف الأب الأقدس عند هذه الكلمات التي قد تبدو غريبة، فمن الطبيعي بالنسبة لنا أن نحب من يحبنا، إلا أن يسوع يسأل إن فعلنا هذا "فأيَّ زِيادةٍ فعَلتُم؟" (47).
وانطلاقًا من هذه الدعوة أراد الأب الأقدس التوقف عند كلمة "زيادة"، أي ما يتجاوز حدود المعتاد والتصرفات التقليدية والحسابات التي يمليها الحذر. وقال البابا في هذا السياق إننا نسعى في المقابل إلى أن يكون كل شيء على ما يرام بالشكل الذي يتماشى مع معاييرنا، وذلك تخوفا من عدم تَلَقي مقابل أو أن تُخيَّب آمالنا، وهكذا نُفضل أن نحب فقط من يحبنا، وعمل الخير فقط لمن هو خيِّر معنا، وأن نكون كراما فقط مع من يمكنه أن يرد لنا الجميل، بينما نجيب على من يعاملنا بشكل سيء بالعملة ذاتها. إلا أن الرب يحذرنا، واصل البابا فرنسيس، فهذا ليس كافيا، وأضاف قداسته أن هذا ليس مسيحيا، إن بقينا في المعتاد وفي الموازنة بين ما نعطي وما نتلقى فلن تتغير الأمور. وقال قداسته إن كان الرب قد اتبع هذا المنطق فما كان لنا رجاء في الخلاص، ولكن محبة الله هي دائما "زيادة"، تتجاوز المعايير المعتادة التي نعيش بها نحن البشر حياتنا.
إن كلمات يسوع هذه تتحدانا بالتالي، واصل البابا فرنسيس، فبينما نحاول البقاء في إطار الحسابات المعتادة يطلب الرب منا الانفتاح على غير المعتاد، "الزيادة"، والتي هي المحبة المجانية، على عدم توازن المحبة. وكرر الأب الأقدس أن الله لو لم يخرج عن المألوف لما كان ليجيء للبحث عنا بينما كنا ضالين وبعيدين، لم يكن ليعانق الصليب من أجلنا نحن الذين لا نستحق كل هذا وغير القادرين على أن نمنحه شيئا في المقابل. وذكّر البابا فرنسيس في هذا السياق بما كتب القديس بولس الرسول: "ولا يَكادُ يَموتُ أَحَدٌ مِن أَجْلِ امرِئٍ بارّ، ورُبَّما جَرُؤَ أَحَدٌ أَن يَموتَ مِن أَجْلِ امرِئٍ صالِح. أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنَّا خاطِئين" (رومة ٥، ٧-٨). الله يحبنا إذن بينما نحن خاطئون، لا لأننا أبرار أو قادرون على أن نمنحه شيئا في المقابل، قال البابا، محبة الله هي دائما "زائدة"، متجاوزة للحسابات، وهو يطلب منا نحن أيضا أن نعيش بهذه الطريقة، فهكذا فقط سنشهد له بالفعل.
وخلص إلى القول: يقترح الرّب علينا الخروج من منطق الاستفادة، وألا نقيس المحبة بميزان الحسابات والمصلحة. يدعونا إلى عدم الرد على الشر بالشر، بل أن نتجرأ في الخير ونخاطر في العطاء حتى وإن كنا سنتلقى القليل أو لا شيء في المقابل. إنّ هذه المحبة هي التي تبدِّل تدريجيًا النزاعات وتقرِّب المسافات، تتجاوز العداوات، وتشفي جروح الكراهية.