موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في ميناء أرغينيغين على الساحل الجنوبي لجزيرة غران كناريا، الذي بات أحد أبرز رموز الهجرة إلى أوروبا وأكثرها إيلامًا، وجّه البابا لاون الرابع عشر، الخميس، نداءً عاجلًا إلى الرحمة والمسؤولية والتضامن، مؤكدًا أن «الكرامة الإنسانية لا تحمل جواز سفر، ولا تفقد قيمتها عند عبور الحدود».
وفي اليوم السادس من زيارته الرسولية إلى إسبانيا، التقى البابا مهاجرين وممثلين عن المؤسسات والمنظمات التي تعمل على إنقاذهم واستقبالهم ومرافقتهم على طول أحد أخطر طرق الهجرة في العالم وأكثرها فتكًا بالأرواح.
وجرى اللقاء في ما يُعرف بـ«ميناء العار»، حيث وصل آلاف المهاجرين خلال أيام قليلة عام 2020، بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا. وبالنسبة لكثيرين ممن يفرّون من الفقر والنزاعات والاستغلال في غرب أفريقيا، تمثل جزر الكناري أقرب بوابة إلى أوروبا، بعد رحلات محفوفة بالمخاطر عبر المحيط الأطلسي على متن قوارب خشبية مكتظة.
وعلى خلفية الميناء والمحيط الأطلسي، استمع البابا إلى شهادات قدّمها أحد عناصر الإنقاذ البحري، ومتطوعة من كاريتاس، وناجية من الاتجار بالبشر، إضافة إلى مهاجرة استطاعت إعادة بناء حياتها بعد سنوات من المعاناة.
متأملًا في إنجيل الدينونة العظمى بحسب القديس متى (25: 41-45)، قال البابا إن كلمة الله تتجسد في أماكن مثل أرغينيغين، حيث يصل الناس «وقد جُرّدوا من كل شيء تقريبًا، لكنهم لم يُجرّدوا أبدًا من كرامتهم».
وأضاف: «هنا ينتزعنا الإنجيل من موقع المتفرج المريح، ويضع أمامنا أخًا أو أختًا وصلوا إلينا. ويسألنا إن كنا قد عرفنا المسيح في وجوه أولئك الذين نزلوا إلى الشاطئ وقد وسمتهم الخوف والجوع والعنف، بعد أن اجتازوا الصحراء والليل والبحر».
واستحضر البابا رمزية «خاتم الصياد» الذي يحمله بصفته خليفة للقديس بطرس، متأملًا في دعوة المسيح لبطرس كي يصبح «صيادًا للبشر». وقال: «هنا يُنقذ الناس من البحر، وهنا أيضًا تُنتشل أجساد هامدة من المياه. ولذلك لا يستطيع خليفة بطرس أن يتجاهل هذه الأرصفة، كما لا تستطيع الكنيسة أن تتجاهل هذه المياه».
واستنادًا إلى الصور الكتابية، وصف البابا البحر بأنه مكان يتجاور فيه الخطر والفوضى مع الرجاء.
وقال: «ما زالت الوحوش تجول في هذه البحار حتى اليوم»، مشيرًا إلى «المافيات التي تتاجر بيأس البشر، وشبكات الاتجار التي تستعبد النساء والأطفال، واللامبالاة التي تسمح بابتلاع الفقراء في دوامة الاستغلال أو النسيان».
لكن الأب الأقدس شدد على أن الإيمان لا يقف مشلولاً أمام قوة البحر، مضيفًا: «إذا كان المسيح يأمر البحر بأن يهدأ، فلا يمكن للكنيسة أن تبقى صامتة إزاء الذين يُتركون لمصيرهم في مياهه».
ومن أكثر اللحظات تأثيرًا خلال اللقاء شهادة قائد في الإنقاذ البحري يدعى تيتو فيلارميا، أنقذ أكثر من عشرين ألف شخص في البحر.
وروى عملية إنقاذ لامرأة كانت تسافر برفقة من بدا أنه ابنها المراهق. وبعد صعودهما إلى سفينة الإنقاذ، نزعت المرأة قبعة الطفل ومعطفه ووضعت في أذنيه قرطين ذهبيين. وقال: «كانت فتاة»، متذكرًا كيف انفجرا معًا بالبكاء.
وشكر البابا لاون أصحاب الشهادات، وأشاد بعمل فرق الإنقاذ ومتطوعي كاريتاس والجماعات الرعوية، مؤكدًا أن شهادتهم تكشف كيف «يتوقف المهاجر عن أن يكون مجرد حالة إضافية أو فئة إحصائية». وأضاف: «عندها فقط ندرك أن تلك الطفلة يمكن أن تكون ابنتنا، وأن تلك الوجوه يمكن أن تكون جزءًا من عائلاتنا».
كما أشار إلى شهادة ماريا رييس أليمان كروز، التي نسقت جهود الرعايا خلال أزمة الهجرة، وتحدثت عن اكتشافها أن مرافقة الآخرين تبدأ أحيانًا بأبسط الأمور: حذاء، أو معطف، أو فنجان قهوة، أو مجرد الحضور إلى جانب المتألم. وقال: «الرحمة تبدأ بإيماءات صغيرة. فالهدف ليس حلّ كل شيء، بل أن نضع كل شيء بين يدي الله، وأن نكون حاضرين حيث يوجد الألم».
ومن أكثر الشهادات تأثيرًا قصة امرأة نيجيرية تدعى بليسينغ، تعرضت للاتجار بهدف الاستغلال الجنسي، وقد تُليت شهادتها نيابة عنها لأسباب أمنية. وروت كيف دفعتها ظروف الفقر إلى مغادرة وطنها، وكيف خضعت لطقوس قسرية، وعبرت البحر في ظروف مرعبة، قبل أن تُجبر على ممارسة الدعارة.
مخاطبًا إياها مباشرة، قال البابا: «إذا كان آخرون قد وضعوا ثمنًا لجسدك، فاعلمي أن الله لم يتوقف يومًا عن رؤية قيمتك التي لا تُقدّر بثمن». وأضاف: «إذا كان آخرون قد عاملوك كشيء، فإن الكنيسة تريد أن تقول لك اليوم: أنتِ ابنة وأخت، وأنتِ بركة». وأكد أن كرامة ضحايا الاتجار بالبشر تبقى مصونة رغم كل ما تعرضوا له من عنف واستغلال، قائلًا: «حياتك ملك لله، وقد منحك كرامة لا يستطيع أحد أن ينتزعها منك».
وأكد البابا أنه ينحني أمام كرامة كل مهاجر، مخاطبًا إياهم بالقول: «أنتم لستم مجرد أرقام أو ملفات. أنتم أشخاص تركتم وراءكم عائلاتكم وبيوتكم، وتحملون أحلامًا لا يحق لأحد أن يحتقرها». وفي الوقت نفسه، حذر من شبكات التهريب والاتجار التي تستغل يأس الناس، واصفًا وعودها الكاذبة بأنها «أغاني صفارات الإنذار» و«صناعات للموت».
ووسّع البابا نداءه ليشمل الحكومات والمؤسسات الدولية، مؤكدًا أن مسؤولية معالجة مأساة الهجرة مسؤولية مشتركة. وقال إن دول المنشأ مطالبة بتوفير ظروف السلام والعدالة والتنمية، بينما تقع على عاتق دول العبور مسؤولية حماية الفئات الضعيفة من الشبكات الإجرامية، كما ينبغي لأوروبا ألا تعتاد على أن يتحول البحر المتوسط والمحيط الأطلسي إلى «مقابر بلا شواهد».
وأضاف: «لا يكفي إدارة الوافدين، أو توزيع الإحصاءات، أو تعزيز الحدود، أو الحزن على الموتى بعد وقوع المأساة». وتابع: «كل قارب يصل يحمل معه سؤالًا: أي عالم بنيناه حتى يضطر هذا العدد من الإخوة والأخوات إلى المخاطرة بالموت من أجل البحث عن الحياة؟».
وشدد البابا على أن سياسات الهجرة يجب أن تنطلق من احترام الكرامة الإنسانية، داعيًا إلى توفير مسارات قانونية وآمنة للهجرة، وتأمين حماية فعالة لضحايا الاتجار بالبشر، وتعزيز التعاون الدولي لمكافحة المهربين، وتطوير سياسات استقبال واندماج حقيقية.
وفيما أكد حق الإنسان في طلب اللجوء والحماية، أشار إلى حق آخر غالبًا ما يتم تجاهله، وهو «الحق في عدم الاضطرار إلى الهجرة». وقال: «هناك أيضًا حق الإنسان في البقاء في وطنه، بعيدًا عن الجوع والحرب والاضطهاد والفساد والتدهور البيئي».
واختُتم اللقاء بوضع إكليل من الزهور والوقوف دقيقة صمت على أرواح الذين فقدوا حياتهم أثناء محاولات عبور البحر. كما بارك البابا صليبًا صُنع من خشب أحد قوارب المهاجرين في مزار سيدة جبل الكرمل، شفيعة البحّارة.
وقبل مغادرته، حيّا المتطوعين والمهاجرين المحتشدين على الواجهة البحرية، وترك وراءه سؤالًا دوّى صداه في أرجاء الميناء وخارجه: «إن كل شخص يصل إلى هنا يطرح علينا سؤالًا: ماذا بقي من إنسانيتنا؟ وسيُعرف يومًا ما إن كنا قد حمينا الحياة أم استسلمنا للامبالاة».