موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٠ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
البابا في برشلونة: لا تخافوا ليالي الحياة فالله يقودنا من الظلمة إلى النور

أبونا :

 

ترأس البابا لاون الرابع عشر، مساء الثلاثاء، أمسية روحية حاشدة في الاستاد الأولمبي «لويس كومبانيس» بمدينة برشلونة الإسبانية، بحضور عشرات الآلاف من المؤمنين والشباب، وذلك ضمن برنامج زيارته الرسولية إلى إسبانيا لعام 2026.

 

وشهد اللقاء حوارًا مفتوحًا بين البابا وعدد من الشباب الذين طرحوا عليه أسئلة عميقة حول البحث عن المعنى في عالم تحكمه ثقافة الإنتاجية والنجاح، ومعاناة الاكتئاب والصحة النفسية، وصعوبة الغفران والمصالحة بعد تجارب الألم والعنف الأسري. كما اختُتمت الأمسية بوقفة صلاة وتأمل ألقى خلالها الأب الأقدس عظة استلهمها من شخصية نيقوديموس الإنجيلية.

 

وفي رده على سؤال شاب حديث العهد بالإيمان حول كيفية اكتشاف الدعوة الحقيقية وسط ضغوط المجتمع المعاصر، شدد البابا على أهمية تنمية «القلق الداخلي السليم» الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن الحقيقة والمعنى العميق للحياة، مؤكدًا أن الإنسان «خُلق على مقاس اللامتناهي»، وأن الإنجازات والنجاحات وحدها لا تستطيع أن تروي عطش القلب البشري.

 

وقال البابا إن ثقافة المنفعة والمردودية وعبادة الصورة الذاتية قد تتحول إلى «مخدرات» تُبعد الإنسان عن جوهر حياته، داعيًا الشباب إلى تخصيص أوقات للصمت والصلاة وقراءة الإنجيل، والانفتاح على مرافقة الكنيسة في مسيرتهم الروحية.

كما توقف الأب الأقدس عند قضية الصحة النفسية، خلال إجابته على شهادة مؤثرة لشابة تحدثت عن معاناتها مع الاكتئاب ومحاولة الانتحار. وأكد أن الاكتئاب يمثل تحديًا متزايدًا في المجتمعات المعاصرة، داعيًا إلى مزيد من الوعي والاهتمام بالصحة النفسية، ومشيرًا إلى أن الله لا يتخلى عن الإنسان في لحظات الظلمة والألم.

 

وقال إن يسوع نفسه اختبر ساعات الخوف والوحدة قبل آلامه وموته، ولذلك فهو قريب من كل من يعاني، ويحمل معه أوجاعه ودموعه. وأضاف أن المؤمنين مدعوون إلى مرافقة المتألمين بمحبة وحكمة، بعيدًا عن التفسيرات السطحية التي تقلل من شأن معاناتهم أو تنسبها ببساطة إلى «مشيئة الله».

وفي محور آخر من الحوار، أجاب البابا على سؤال شابة عاشت طفولة قاسية بسبب العنف الأسري، وتساءلت عن كيفية مسامحة والدها والتصالح مع الله. وأكد أن الغفران ليس قرارًا لحظيًا بل مسيرة طويلة تحتاج إلى نعمة الله وصبر الإنسان، موضحًا أن الغفران لا يعني بالضرورة العودة إلى العلاقة السابقة أو تجاهل الجراح، بل التحرر تدريجيًا من الكراهية والرغبة في الانتقام.

 

وشدد الأب الأقدس على أن مسؤولية العنف تقع على الإنسان وخياراته، وليس على الله، داعيًا إلى مواجهة آفة العنف الأسري والعنف ضد المرأة، والعمل على بناء ثقافة تقوم على الاحترام والمحبة والكرامة الإنسانية.

وعقب الجلسة الحوارية، شارك الحاضرون في وقفة صلاة وتأمل، ألقى خلالها البابا عظة ركز فيها على شخصية نيقوديموس الذي جاء إلى يسوع ليلًا، معتبرًا أن «ليالي الحياة والإيمان» ليست علامة فشل أو هزيمة، بل قد تصبح مكانًا للقاء الله والتجدد الروحي. وقال إن الإنسان يسير دائمًا في رحلة بحث عن الحقيقة والمحبة والمعنى، وإن لحظات الشك والألم والضعف يمكن أن تتحول، بنعمة الله، إلى فرصة للولادة الجديدة والنمو الروحي.

 

وختم البابا عظته داعيًا المؤمنين إلى عدم التوقف عن البحث والحوار مع الله ومع الآخرين، والسير معًا نحو الحقيقة والخير العام، والانفتاح على عمل الروح القدس الذي يقود الإنسان من ظلمات الليل إلى نور الحياة الجديدة. وأكد أن الله لا يريد هلاك أحد، بل يدعو الجميع إلى اختبار محبته المجانية وحضوره المتجدد، الذي يمنح الرجاء ويقود إلى السعادة الحقيقية والحياة الأبدية.