موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٨ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
البابا لاون الرابع عشر: فلنكن روّادًا جددًا في نسج شبكات الرجاء والحوار
خلال لقاء جمع ممثلين عن الفن والتعليم والاقتصاد والرياضة في مدريد

أبونا :

 

في اليوم الثاني من رحلته الرسولية إلى إسبانيا، خصّص البابا لاون الرابع عشر وقتًا للقاء ممثلين عن عوالم الفن والتعليم والاقتصاد والرياضة، داعيًا إياهم إلى أن يكونوا «روّادًا جددًا» في نسج روابط التضامن والحوار والرجاء في عالم يزداد انقسامًا وتشرذمًا.

 

وخلال مشاركته مساء الأحد في فعالية «نسج الشبكات مع عوالم الثقافة والفن والاقتصاد والرياضة» التي أُقيمت في صالة «موفيستار أرينا» بالعاصمة مدريد، تأمل البابا في المسؤولية المشتركة التي تقع على عاتق المؤسسات والأفراد لحماية كرامة الإنسان وسط التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة. وجمعت الفعالية فنانين وأكاديميين وقادة أعمال وممثلين عن النقابات العمالية ورياضيين، في حوار هدفه تعزيز التواصل بين الكنيسة والمجتمع المعاصر.

 

ومن بين المتحدثين أمام البابا الممثل أنطونيو بانديراس، الذي تناول العلاقة العميقة بين الإيمان والتعبير الفني، وخوسيه ماريا كويلو دي بورتوغال، رئيس جامعة كومبلوتنسي في مدريد، ممثلًا عن الأوساط التعليمية والعلمية. كما تحدث ممثلون عن قطاعات الأعمال والعمل حول التحديات الأخلاقية التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية، فيما سلطت الرياضيتان تيريزا بيراليس وكارولينا مارين الضوء على قيم المثابرة والتواضع والتضامن التي تعلّمها الرياضة.

 

 

أي إرث نتركه للأجيال المقبلة؟

 

بعد استماعه إلى كلمات المشاركين وإلى عرض فني لفن الفلامنكو قدّمته الراقصة المشهورة سارا باراس وفرقتها، استهل البابا كلمته بالإشادة بالإرث الثقافي الغني لإسبانيا، متأملًا في الجمال المتجسد عبر تاريخ البلاد في مدنها وآثارها وجامعاتها وكنائسها وموسيقاها وفنونها ورقصاتها ومطبخها. غير أن الإعجاب بإنجازات الأجيال السابقة، بحسب البابا، يقود حتمًا إلى سؤال يهم الجميع: «ما الإرث الذي نتركه للمستقبل؟ وأي نوع من المجتمعات نبنيه؟».

 

وأقرّ البابا بالقدرات الهائلة التي يمتلكها المجتمع اليوم في مجالات الانتاج والابتكار والتواصل، لكنه حذّر من أن التقدم التكنولوجي والاقتصادي قد يفقد معناه العميق إذا انفصل عن الإنسان. وقال: «قد نصبح خبراء في وسائل الإعلام ومنتجين فعّالين، لكننا قد نفقد وضوح الرؤية حول لماذا ننتج، ولأي غاية، ومع مَن، ومن أجل مَن».

 

 

الكنيسة «خبيرة في الإنسانية»

 

مستعيدًا تعاليم البابا القديس بولس السادس والمجمع الفاتيكاني الثاني، أكد البابا لاون التزام الكنيسة بالحوار مع العالم المعاصر. وقال إن السؤال الحاسم ما زال هو نفسه: «ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانًا بحق؟». وأوضح أن الكنيسة، من خلال خبرتها الطويلة في مرافقة البشرية عبر التاريخ، تقترح دروبًا نحو الكرامة والخير العام لأنها ترى في يسوع المسيح الجواب عن أعمق أسئلة الوجود الإنساني.

 

واقتبس من رسالته العامة الحديثة «الإنسانية الرائعة»، مؤكدًا أن الإنسان يبقى «الطريق الأول والأساسي للكنيسة» وقلب كل مسار أصيل للتنمية الحقيقية والمتكاملة. ومن هذا المنطلق، شدد على أن الكنيسة لا يمكنها أن تبقى غير مبالية بالثقافة، لأن الثقافة هي إحدى الوسائل الأساسية التي يعبّر الإنسان من خلالها عن هويته ويشكّلها.

 

 

ماذا نزرع اليوم؟

 

متأملًا في العلاقة اللغوية بين مفهومي «الثقافة» و«الزراعة»، دعا البابا الحاضرين إلى التفكير فيما يزرعه المجتمع المعاصر للأجيال القادمة. وتساءل: «ما الذي يزدهر في مجتمعنا؟ وما الذي يذبل بصمت؟ وما القيم التي نحافظ عليها، وأي قيم نسمح لها بالموت؟». وأشار إلى أن هذه الأسئلة تتطلب حوارًا اجتماعيًا صادقًا ومستمرًا يقوم على الإصغاء والاحترام واللقاء.

 

 

نسج الشبكات عبر الحوار

 

وأوضح البابا أن الفكرة المحورية للأمسية تمثلت في صورة «نسج الشبكات»، واصفًا إياها بأنها فنّ يتطلب من الأشخاص والمؤسسات العمل معًا في إطار من الاحترام المتبادل، على أن يبقى الإنسان وكرامته في صلب هذا الحوار.

 

وأكد أن الجامعات لا ينبغي أن تتخلى عن الحقيقة أو تنعزل عن واقع العمل، وأن الشركات يجب ألا تختزل الموظفين إلى مجرد أرقام أو عوامل اقتصادية، كما أن الفن لا ينبغي أن يصبح حكرًا على النخب، والرياضة لا يجوز أن تُختزل في الترفيه أو الربح فقط.

 

وأضاف الأب الأقدس أن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يبقى منتبهًا للمسنين والفقراء ولأولئك الذين نادرًا ما يُصغى إلى أصواتهم. كما شدد على أن وسائل التواصل والتعبير تحمل مسؤولية أخلاقية، قائلًا: «كل شكل من أشكال التعبير يتحدث وينقل معنى، ويمكنه أن يجرح أو يشفي، وأن يحطم الآمال أو يفتح آفاقًا جديدة».

 

 

مخلوقون بخيوط المحبة

 

ومن المنظور المسيحي، أوضح البابا أن الحوار الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالكرامة المتأصلة في كل إنسان. وقال: «لقد نسج الخالق الإنسان بخيوط من المحبة»، مذكّرًا بأن البشرية خُلقت على صورة الله ومثاله. وأكد أن هذه الكرامة لا تمنحها الحكومات أو المؤسسات، بل هي متأصلة وغير قابلة للمصادرة، ولذلك تشكل الأساس لكل علاقة اجتماعية سليمة.

 

 

جمال يغيّر الإنسان

 

وعاد البابا مرارًا إلى الحديث عن دور الجمال والتعبير الفني في حياة الإنسان.

 

مقتبسًا من البابا بندكتس السادس عشر الذي قال إن الإيمان «يخلق الشعر والموسيقى» و«يصنع الجمال»، تحدث البابا لاون عن الخبرات التي تغيّر الإنسان من الداخل: أغنية، أو قصيدة، أو كنيسة، أو صوت، أو نظرة، أو حتى مباراة يتشاركها الأصدقاء.

 

وأشار مجددًا إلى التراث الروحي والفني الغني لإسبانيا، من أناشيد أسبوع الآلام التقليدية إلى أعمال لوبي دي فيغا، والقديسة تريزا الأفيليّة، والقديس يوحنا الصليب، وكالديرون دي لا باركا، بوصفها شواهد على الحوار العميق بين البعدين المادي والروحي في حياة الإنسان.

 

 

مساهمة الإيمان في المجتمع

 

وفي حديثه عن إسهام المسيحية في الحياة العامة، ذكّر البابا بالمدارس والمستشفيات والمبادرات الخيرية التي نشأت بإلهام من الإيمان عبر القرون. ومن دون الدخول في جدل، دعا الحاضرين إلى التفكير في مدى تأثر أوروبا نفسها بإرثها المسيحي، متسائلًا: «هل يمكن حقًا الاعتقاد بأن أوروبا كانت ستكون كما هي اليوم من دون بصمة الإيمان؟». مرددًا كلمات القديس يوحنا بولس الثاني، كرر النداء الشهير: «لا تخافوا. افتحوا الأبواب على مصاريعها أمام المسيح».

 

 

صرخة الفقراء

 

كما وضع البابا قضية الفقراء في قلب تأملاته، متسائلًا: «مَن هم الذين يُستبعدون رغم مواهبهم وقدراتهم؟». وأكد أن أوضاع الفقراء تبقى تحديًا دائمًا للمجتمعات والأنظمة السياسية والاقتصادية وللكنيسة نفسها. واستنادًا إلى التعليم الاجتماعي للكنيسة، شدد على أن الهياكل الاقتصادية والمؤسساتية لا يمكن اعتبارها عادلة إلا إذا ساهمت في التنمية المتكاملة لكل إنسان وشجعت مشاركة الجميع بمسؤولية.

 

 

دروس من الملاعب

 

وفي ختام كلمته، توقف البابا عند عالم الرياضة الذي وصفه بأنه قريب من خبرته الشخصية. وأشار إلى أن كثيرين يتعلمون على أرض الملعب قيم الاحترام والمثابرة واللعب النظيف أكثر مما يتعلمونها عبر الدروس النظرية.

 

وأضاف أن الرياضيين يعلّمون المجتمع كيف يخسر من دون مرارة، وكيف ينتصر من دون إذلال الآخرين، وكيف ينهض من جديد بعد الفشل. واستشهد بكلمات القديس يوحنا بولس الثاني، الرياضي السابق، مؤكدًا أن الرياضة قادرة على تقديم شهادة قوية للوحدة والسلام والتماسك الاجتماعي في زمن تهدد فيه الانقسامات والعنف الروابط التي تجمع المجتمعات.

 

 

نحو مجتمع متجدد

 

واختتم البابا لاون الرابع عشر خطابه بدعوة جميع الحاضرين إلى أن يكونوا فاعلين أساسيين في بناء مجتمع متجدد. مجتمع يبقى فيه الزمن منفتحًا على الأبدية، وتحفظ فيه الثقافة الذاكرة وتغذي الحوار، وتسعى فيه التربية إلى الحقيقة بأمانة فكرية، ويوقظ فيه الفن الدهشة، ويعترف فيه الاقتصاد بكرامة كل إنسان، ويظل فيه العمل مصدرًا للرجاء.

 

واستشهد بنداء القديس بولس الرسول إلى «الفرح مع الفرحين والبكاء مع الباكين»، داعيًا الجميع إلى العيش في وئام وسلام. وختم بالقول إن مستقبل البشرية يعتمد على استمرار إشعاع عظمتها الحقيقية: «فلنكن روّادًا جددًا في نسج شبكات جديدة تُناغم بين مختلف مجالات الحياة».