موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يوم الأربعاء 10 حزيران، وفي دير سيدة مونتسيرات الواقع في سلسلة الجبال التي تحمل الاسم نفسه وعلى بعد نحو ساعة بالسيارة من برشلونة، شدّد البابا لاون الرابع عشر على أن العذراء مريم تشير دائمًا إلى المسيح، الذي يمكن لمحبته أن يبدّد العنف الكامن في قلوبنا.
وقال الأب الأقدس في كلمته التي ألقاها بالإسبانية والكاتالونية بعد تلاوة المسبحة الوردية في كنيسة الدير: «لنطلب من مريم، ملكة السلام، أن تعلّمنا التخلّي عن الكلمات الجارحة، والأحكام المتسرعة، والنميمة والافتراء».
وأضاف: «ولنتعلّم أيضًا أن نعتني بالمحبة وننميها داخل عائلاتنا، وبين الأصدقاء، وفي مكان العمل، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وفي النقاشات السياسية، وفي الجماعات المسيحية، حتى يحلّ الرجاء والسلام محل الكراهية».
يُعدّ الدير مركزًا روحيًا مهمًا في المنطقة، ويحتضن شخص العذراء مريم من القرن الثاني عشر، شفيعة كتالونيا. ويتكوّن من مبانٍ متعددة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، ويعود أقدمها إلى القرن الثاني عشر. يديره رهبان البينديكتين، وقد احتفل في عام 2025 بمرور ألف عام على تأسيسه.
وعند وصوله إلى الدير، حيّا البابا الحشود المتجمعة في ساحة البازيليك من السيارة البابوية المفتوحة. ثم استقبله أسقف أبرشية سانت فيليو دي لوبريغات، زافيير غوميز غارسيا، ورئيس دير مونتسيرات مانييل غاش إي هوريوس، قبل دخوله إلى البازيليك.
وقد حضر نحو 7000 شخص إلى البازيليك والمناطق المحيطة بها.
هناك قبّل البابا الصليب، ورشّ المؤمنين بالماء المقدس، وقضى لحظة صلاة في كنيسة القربان الأقدس، كما استمع إلى كلمات الترحيب من الأسقف ورئيس الدير قبل بدء تلاوة المسبحة الوردية. كما تميّز الحدث بترانيم قدّمتها جوقة "إسكولانيا"، وهي أقدم مدرسة جوقة في أوروبا، وتضم صبية تتراوح أعمارهم بين 9 و14 عامًا.
في كلمته بعد المسبحة، شكر البابا لاون جميع الحاضرين على استقبالهم الحار، معبّرًا عن سعادته بأن يأتي «عند أقدام سيدة مونتسيرات ليُسلم إليها» خدمته البطرسية ورسالة الكنيسة في عالم «يصرخ طلبًا للعدالة والسلام».
وقال: «إن جدران هذا المزار يمكنها أن تروي لنا قصصًا لا تُحصى من التقوى والامتنان والرجاء التي عاشت حول والدة الإله عبر القرون». وأكد أن العذراء مريم توقظ أسمى المشاعر في الإنسان وتدفعه إلى «تحوّل داخلي عميق»، مستشهدًا بالقديس إغناطيوس دي لويولا الذي قرر بعد ليلة صلاة في الدير أن يضع جانبًا أسلحته الفروسية.
وشجّع الجميع على قبول دعوة مريم لاتباع المسيح ومحبته. وقال: «هذه الكلمات التي قيلت في عرس قانا الجليل تشكّل دليلًا حقيقيًا للحياة المسيحية، لأن مريم تقودنا إلى المسيح وتعلّمنا أن نصغي إلى صوته ونطيع كلمته ونسمح له أن يغيّرنا». وأضاف: «عندما تقول لنا مريم: افعلوا ما يقوله لكم، فهي تدعونا إلى فتح قلوبنا المتصالحة لتعاليم الإنجيل».
وأكد أن «يسوع يبيّن لنا طريق الرحمة والمصالحة والحقيقة والوداعة»، خصوصًا في مواجهة الصراعات التي قد تسكن عالمنا وعلاقاتنا. وقال إن يسوع «يكشف العنف الذي قد يتخفّى في كلماتنا ومواقفنا: النقد المُذِل، والإدانة المُدمّرة، والعدوان الذي يفرّق». وأضاف أن هذا العنف الخفي قد يظهر أحيانًا كـ«درع» نستخدمه لحماية جراحنا ومخاوفنا وآلامنا الناتجة عن الظلم.
وفي حضرة سيدة مونتسيرات التي تحمل الطفل يسوع في حضنها، دعا البابا إلى «وضع هذا الدرع عند قدميها» الذي يقسّي القلوب تدريجيًا. وأوضح أن الطفل يسوع في حضن مريم لا يرتدي درعًا، وهو نفسه الذي سيُسلَّم لاحقًا على الصليب «بقوة المحبة غير المسلحة والغير مدمّرة».
وأشار أيضًا إلى أن العذراء تحمل في يدها كرة أرضية، وهي علامة على رعايتها الأمومية للعالم كله. وقال: «إنها تدعونا إلى أن نرى بعضنا بعضًا كإخوة وأخوات، بحيث لا يُستبعد أحد، وأن تكون الشركة أقوى من كل انقسام». وختم الأب الأقدس كملته قائلًا: «لنرفع أنظارنا إلى مريم ونطلب منها أن تعلّمنا أن نتسلّح فقط بأسلحة الله».
واختتم كلمته بصلاة إلى سيدة مونتسيرات، قبل أن يقضي وقتًا في الصلاة أمام شخصها.
ثم ظهر من شرفة واجهة البازيليك وبارك المؤمنين المتجمعين في الخارج.
وقال: «شكرًا لهذا التعبير الجميل عن الإيمان. نحن جميعًا متحدون كعائلة واحدة، محاطون بأمنا مريم، عذراء مونتسيرات. الفرح والحماس والإيمان العميق الذي نعيشه هذه الأيام… أولًا في مدريد، ثم في برشلونة وكاتالونيا، وقريبًا في جزر الكناري… كل إسبانيا مليئة بالإيمان والمحبة والرغبة في تسبيح الله وشكره والاتحاد به».
وأضاف: «شكرًا لكاتالونيا على استقبالها هذا العدد الكبير من الناس من بلدان مختلفة، لأن ذلك يظهر كيف يمكن جمع الجميع كأسرة واحدة».
كما شكر الرهبان وكل من يأتي للصلاة في الدير.