موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٢٣ فبراير / شباط ٢٠٢٣
الأب د. جورج أيوب يكتب: تأمل في سرّ الألم

الأب جورج أيوب :

 

أمام الزلزال الذي ضرب سورية وتركيا، وألوف الضّحايا، من الأطفال والشّباب والأمهات والمتقدّمين في السّن، يتبادر السّؤال: لماذا؟ أين الله؟ وكذلك السّؤال: أين الإنسان؟ الإنسان العالِم والقدير والذي وصل إلى القمر وطوّر أسلحة لإبادة البشريّة. أين كلّ هذا العالم من نظام الزلازل؟ وهو نظام يمكن للإنسان أن يكتشفه وأن يستبق حدوثه فيتخذ تدابيره، ويخلّص ألوف البشر؟

 

على كلّ حال، ولو سيطر الإنسان على الزلازل لن يسيطر الإنسان على سرّ الألم. ولن يمنع موت طفل، ولا مرضًا قاتلًا لشاب في مقتبل العمر. ويبقى السرّ سرًّا. يبقى المريض المنتظر موته المحتوم، والأهل والأصدقاء، والطِبّ، من حوله عاجزون. لا كلمة، ولا تفسير. لا شيء يبدد الألم، إلّا الدخول في سرّ الله، في سرّ الصّليب. لا تفسير، بل نور وراحة تتكوَّن في النفس، في الإنسان الحاضر أمام ربّه.

 

رئيس أساقفة باريس، الكاردينال فييو ((Veuillot كان في سن الخامسة والخمسين فقط، لما أصيب بمرض السّرطان. كان يقول وكذلك البابا يوحنا بولس الثاني مؤيِّدًا كلامه: لا تكثروا الكلام عند المريض. لا تحاولوا التفسير. صلّوا بصمت. أمام عجز الناس، حاوِلوا أن تروا أنتم أيضًا حنان الله، ولو بدا أنّ الله غائب[1].

 

سرّ الألم أمر صعب. والجميع يمرُّون به. هو تحدٍّ للبشرية كلّها، كأنّه دليل على عجزها، بالرّغم من كلّ قدراتها. كأنّه تحذير لكبريائها.

 

هناك مفكّرون متشائمون أمام هذا الواقع وهذا السرّ. هيرودوتس (Herodotus)، المؤرّخ اليوناني القديم، لم يعرف المسيح، قال أمام شدّة الألم: "أن يموت الإنسان خير من أن يعيش"[2]، وهايدجر (Heidegger)، المفكّر الألماني الكبير، قال: إنّ الإنسان "كائنٌ ليموت"[3]. هذه طبيعته، ليس الأمر سرًّا أن يموت.

 

من جهة أخرى، المؤمن بيسوع المسيح، له موقف آخر. يسوع المسيح، عرف في جسده سرّ الألم، والموت، وقهره، وانتصر عليه، وحوّله إلى مصدر حياة. فالمؤمن بيسوع المسيح يؤمن أنّ الألم ليس الكلمة الأخيرة، بل هو أمر عابر. ليس الألم نهاية الحياة، بل هو معبر إلى تكملة الحياة. ولهذا، فإنّ المؤمنين مستعدّون دائمًا للإجابة على كلّ من يسألهم عن سبب الرّجاء الذي فيهم“. (راجع ١بطرس ٣، ١٥). بماذا يجيبون؟ يتألّمون مثل غيرهم. ويموتون مثل غيرهم. لكنّهم يعرفون أنّ الألم أداة تنقية ولو كانت موجعة. وأنّ الموت باب لحياة أفضل من هذه الحياة.

 

يتكلّم بولس الرّسول على الشّدائد التي مرّ بها، وعلى التحدّيات التي واجهها. وفي جميعها ظلّ أمينًا لله ولرسالته. "أسفار متعددة، أخطار من الأنهار، أخطار من اللصوص، أخطار من بني قومي، أخطار من الوثنيّين، أخطار في المدينة، أخطار في البرية، أخطار في البحر، أخطار من الإخوة الكذابين. جهد وكد، سهر كثير، جوع وعطش، صوم كثير، برد وعري" (٢قورنتس ١١، ٢٨-٢٧).

 

الإرشاد الرّسولي عن العلمانيّين المؤمنين بالمسيح (Christifideles laici)  يبيّن كيف يواجه المؤمن ويعيش هذا التحدّي: "المسيحيّون الذين يعيشون في حالات المرض والألم والشّيخوخة، يدعوهم الله ليس فقط إلى توحيد آلامهم بآلام المسيح، بل أيضًا إلى التّرحيب بالألم في أنفسهم الآن، وتسليم الآخرين قوّة التجدّد وفرح المسيح القائم من بين الأموات"[4].

 

وتؤكّد الرّسالة نفسها عن العلمانيّين المؤمنين بالمسيح أنّه يمكننا أن ندخل هذا السرّ بالحبّ. تقول الرّسالة:

 

"أنتم المتروكين والمهمشين في مجتمعنا الاستهلاكي، أنتم المرضى والمعوقين والفقراء والجياع والمهاجرين واللاجئين والسّجناء والعاطلين عن العمل، وكبار السّن، والأطفال المتروكين، والأشخاص الوحيدين، أنتم ضحايا الحرب وكلّ عنف ينبع من مجتمعنا المتشائم. الكنيسة تشارك في آلامكم التي تسير بكم إلى الرّبّ يسوع، وهو يضمكم إلى آلامه الفدائيّة ويجعلكم تعيشون في نور فدائه. إنّنا نعتمد عليكم لتعلّموا العالم كلّه ما هو الحبّ"[5].

 

التّحدي الأكبر هو عندما يقف المؤمن أمام ألَم الأبرياء! أمام أطفال تبتلعهم الأرض، أو بقوا وحدهم بين الأنقاض، وبصورة عامة أمام أطفال يواجهون سرّ الألم. نحن هنا أمام عمل الله، أم أمام عمل الإنسان؟ من المسؤول؟

 

الله لا يريد الشّرّ. "الله محبّة" (١يوحنا ٤، ٨). الناس إجمالًا يريدون الخير أيضًا، ولكنّهم يريدون الشّرّ أيضًا، في حروبهم، وفي عدم تعاونهم في تنمية متساويّة للبشريّة كلّها، وفي استغلالاتهم الكثيرة المضحّية بالأفراد والشّعوب. من يريد الشّرّ ومن يصنعه؟ الإنسان. الله محبّة، لكنّه يصبر على صانعي الشّرّ. ويسمح لشرّهم أن يطول.

 

والقضيّة ليست قضيّة ناظر متأمل من الخارج يبحث عن تفسير. بل هي قضيّة إنسان هو نفسه ضحية الألم. لماذا أنا أتألّم؟ لماذا طفلي يتألّم؟ الإيمان فقط يساعدنا على الدخول في مثل هذه الهاوية العميقة. وجواب الإيمان هو كما قلنا: إنّ عالمنا له وجه آخر، خارج الزمن. نحن نريد هذا الزمن، ونقدّر الأمور بحسب ما نعيش أو لا نعيش في هذا الزمن. لكن الحقيقة غير ذلك: حياة الإنسان هي في هذا الزمن، وفيما بعده. ورؤية الله هي هذه، تشمل الزمن كلّه وما بعده، محبّته تشمل الإنسان في هذا الزمن والإنسان فيما بعد هذا الزمن.

 

يسوع المسيح "أطاع حتّى الموت والموت على الصّليب" (فيلبي ٢، ٨)، فحمل الألم البشريّ وأضاءه بنور القيامة السّاطع. وبموته قهر الموت فلم يعد نهاية، بل صار معبرًا إلى الوجه الآخر من الحياة.

 

الإنسان وحده أمام سرّ الألم، لا يجد مخرجًا. بالإيمان يقبل الكون كلّه، في هذا الزمن، وفيما بعده. ويرى بذلك بعض النّور. إنّها مسألة إيمان. الإيمان المسيحيّ يجعل الإنسان قادرًا على دخول مجد القيامة نفسها، بعد كلّ ظلمات هذه الأرض.

 

واقع الألم الكثير، الإنسان مسؤول عنه، لعجزه عن تطوير قدراته، أو لشرّه وأنانياته التي تحرم الكثيرين، أو تتسبّب في آلام الكثيرين أو في موتهم. وإلى ذلك، سرّ الألم هو سرّ آلام سيّدنا وإلهنا يسوع المسيح. نقف أمامه ساجدين، وفيه نجد الحياة الكاملة.

 

 

[1] Cf. G. Taliercio, Il valore della sofferenza. Riflessione sulla Salvifici doloris di Giovanni Paolo II, 11.

[2] Ibid.

[3] Ibid., 12.

[4] Giovanni Paolo II, Christifideles laici, Esortazione apostolica su vocazione e missione dei laici nella chiesa e nel mondo (30.12.1988), in AAS 81/4 (1989) 499-500, n. 53.

[5] Ibid., 499.