موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تُعَدّ محوريّة الصلاة: سموّ نفسي وارتفاع روحي، لذلك ركّز السيّد المسيح عليها. وطلب من المؤمنين أن يصلّوا كلّ حين من غير ملل، وضرب لهم مَثل قاضي الظلم الذي كانت تطلب منه أرملة مستضعَفَة إنصافها. واستجاب لها لا كرماً منه بل ليتخلّص من إلحاحها الذي صدّ رأسه (لوقا 18: 1).
قطعاً ليس ذلك القاضي الظالم -والعياذ بالله- صورة لله. ولكن الفكرة من المَثل أنّ الله الذي هو قمّة الطيبة والكرم يستجيب لنا فلا نخافنّ أن نلحّ عليه تعالى. ويبدأ الإنجيل الثالث (أي إنجيل لوقا) وينتهي بالهيكل. وهذا دليل بليغ على شأن الصلاة التي هي تنفّس النفس ونسمة الروح.
ويعطي السيّد المسيح مثلاً آخر للصلاة المقبولة والمرفوضة: مَثل الفريسي وجابي الضرائب، الفريسي يفخر أمام الله أنّه يدفع الضرائب ويصوم، ويحتقر جابي الضرائب فلا تُقبَل صلاته. أمّا جابي الضرائب فلا يجسر أن يرفع عينيه ويقرع صدره ويستغفر الله بقوله: "يا رب اصفح عنّي أنا الخاطىء". وينزل جابي الضرائب إلى منزله مبرّراً دون الفريسي (لوقا 18 : 9-14).
انتقد السيد المسيح مَظهر التكبّر وتمجيد الذات في الحياة الفرّيسية. وأكّد أنّ الطريق لتجاوز العراقيل والصعوبات التي نواجهها هو التواضع كي تكون صلواتنا مقبولة لدى الله. لقد انتقد المظهر حينما قال لقوم واثقين بأنفسهم أنّهم أبرار، ويحتقرون الآخرين، المَثل المذكور أعلاه عن الفرّيسي وجابي الضرائب "لأنّ كلّ من يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع".
في أثناء صلاته لم يطلب (الفرّيسي) شيئًا من الله، لذلك لم ينل شيئًا. لقد فكّر فقط في تمجيد ذاته بغرور. لم يكتفِ بذلك بل تعدّى حدوده لدى استخفافه بجابي الضرائب، وكأنّه يُحاسب جابي الضرائب على أسلوبه في الصلاة. بينما كان ضمير جابي الضرائب المسكين يوبّخه خجلاً وتواضعاً أمام عرش الله.
وكانت النتيجة أن تقبّل الله دعاء جابي الضرائب ولم يرضَ عن غطرسة الفرّيسيّ المُتبجّح.
شدّد السيّد المسيح على ضرورة ممارسة التواضع والبساطة والإيمان والعمل، كما بيّن قوّة وفعاليّة الصلاة المشتركة بقوله: "إنْ اتّفقَ اثنان منكم في أيّ شيء يطلبانه أي يسألانه في الدعاء فيكون لهما" (متّى 18: 19). وكان ينصح بالدعاء والصوم كسلاح فعّال لمواجهة تجارب الشر.
صعوبة أخرى تُواجهنا هي كثرة مشاغل الإنسان في الحياة وكذلك ضيق الوقت، كلّ هذا يكون عائقاً لدى البعض ويُعرقل الدعاء. وإن حاول الدعاء شعر بالملل والروتين والتكرار، لأنّه لكثرة اهتمامه بالأمور الدنيويّة يُخاطب نفسه، ويُفكّر فقط بمشاكله، فلا يستطيع التركيز في الدعاء، ولا يُخاطب الله، ولا يُصغِ لكي يتكلّم الله في قلبه. وهكذا يفتقر إلى دفعة معنويّة كبيرة، ويُصاب بخيبة أمل كبيرة ويستعصي عليه الأمر، على رأي المثل المصري الشائع: "يخرج من المولد بلا حمّص" أو عاد بخُفّي حُنين، بمعنى آخر ما طال "لا عنب الشام ولا بلح اليمن".
خاتمة
من أقوال السيّد المسيح لرسله الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنّا في بستان الزيتون (الجسمانية):
"اسهروا وصلّوا لئلاّ تقعوا في تجربة لأنّ الروح مستعدّ وأمّا الجسد فضعيف" (متّى 26: 41).