موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٢٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦
راتزينغر والكنيسة التي ترحّب بالناس بينما تتركهم أحرارًا

أندريا تورنيلي، مدير تحرير وثائق الفاتيكان :

 

«من خلال المعاناة، تعلّمت أن تتركه يسلك طريقه الخاص، دون قيود. تعلّمت أن تتحمل أن طريقه مختلف تمامًا عن الطريق الذي تصوّرته له». هذه التأملات التي أدلى بها عن والدة القديس أغسطينوس، خلال تكريس كنيسة الرعية المكرّسة للقديسة مونيكا في حي نويبارلاش بميونيخ، ألقاها حينذاك الكاردينال جوزيف راتزينغر. وكان ذلك في 29 نوفمبر 1981، أي بعد أربعة أيام فقط من الإعلان عن تعيينه رئيسًا لمجمع العقيدة والإيمان.

 

مرة أخرى، نرى صورة لراتزينغر بعيدة كل البعد عن الصورة التي يصوّرها له البعض، مستخدمين مقتطفات مختارة من تعاليم البابا بندكتس السادس عشر لمحاولة وضعها في مواجهة مع أسلافه وخلفائه. وقد نُشرت هذه العظة، المتاحة حتى الآن بالألمانية فقط، في مجلد مختارات راتزينغر «La fede del futuro» (إيمان المستقبل)، بترجمة بيترو لوكا أزارّو، وتمهيد من قبل أمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين.

 

في هذه العظة، يقدّم رئيس أساقفة ميونيخ شخصية والدة أغسطينوس كتجسيد حيّ لماهية الكنيسة في جوهرها العميق. «فيها»، كما يكتب راتزينغر مشيرًا إلى قديس هيبو، «اختبر أغسطينوس الكنيسة كشخص، الكنيسة شخصيًا، بحيث لم تكن له مجرد جهاز بعيد، أو هياكل غامضة يصعب فهمها. ففي هذه المرأة، كان حاضرًا شخصيًا ما تمثله الكنيسة». وكتب أغسطينوس عن والدته: «لم تمنحني الحياة الجسدية فقط، بل منحتني أيضًا مساحةً للقلب، مساحةً للحياة استطعت فيها أن أصبح إنسانًا«. ويؤكد راتزينغر أن الإنسان «يحتاج إلى مساحة علاقاتية يسودها الثقة والمحبة؛ وإلى معنى يمكّنه من السير نحو المستقبل«.

 

غير أن هذا «الفضاء الحياتي» ليس له علاقة بالهياكل الكنسية أو بالجماعات المثالية القائمة على الهوية، التي تعزل نفسها عن العالم وتدينها يوميًا. على العكس، فهو يرسم صورة الكنيسة المرحبة، التي تحترم حرية كل شخص وتقدّر توقيته الخاص. تمامًا كما كانت مونيكا مع ابنها، إذ اعتبرت «إتاحة الحرية له عنصرًا جوهريًا لتشكيل هذه المساحة الحيوية»: حرية ارتكاب الأخطاء، وحرية اتباع الشهوات الجسدية… لقد «عرفت مونيكا كيف تنتظر. عرفت كيف تقبل الصراع بين الأجيال. ومن خلال المعاناة، تعلمت أن تتركه يسلك طريقه دون قيود. تعلمت أن تتحمل أن يكون طريقه مختلفًا تمامًا عن الطريق الذي تصوّرته له بالإيمان؛ ومع ذلك، تعلمت أن تحبه، وأن تبقى بجانبه، دون أن تتخلى عنه، مع ترك الحرية لكونه ذاته. ومن خلال هذه الانفتاحية أثناء الانتظار، حين تركت له الحرية ليصبح نفسه—دون أن تفرض عليه الإيمان، بل بمجرد التواجد من أجله كإنسان وكأم—نقلت له الإيمان على هذا النحو«.

 

هذه كلمات ملهمة للآباء، وللمربين، ولمن يعلنون الإنجيل عمومًا. كنيسة كـ«فضاء للحياة، للحرية، للأمل«.

 

ويعلق البابا المستقبلي قائلاً: «أعتقد أنه اليوم هناك الكثير من الشك والنفور تجاه الكنيسة… لأننا لا نختبر الكنيسة كشخص إلا نادرًا، قليلًا جدًا كشخص. نسمع عنها فقط كهيكل، مكتب، أو جهاز. لكن الكنيسة لن تستطيع البقاء، ولن نتمكن من التجذّر، ولن تستطيع أن تصبح وطننا، إلا إذا استمرت في الوجود من خلال الأشخاص. هذا الفضاء، كل الفضاءات -حتى القاعات التي نقضي فيها أوقات فراغنا ونلتقي- يجب أن تكون فضاءات تساعدنا على أن نصبح كنيسة حقيقيّة لبعضنا البعض؛ فضاء قد يكون لنا حيويًا، أُمًا، شخصًا يوفر لنا مكانًا للثقة وإمكانية الحياة«.

 

كنيسة، «مستشفى ميداني»، ترافقك، حيث يشفي الحب أعماق الجراح، ويشعر الإنسان فيها وكأنه في بيته.