موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يوسف ابن يعقوب المدلّل من زوجته راحيل، باعه إخوته حسداً وغيرة . حمله تجار العبيد إلى مصر. لكن الله كان في عونه، لأنّ يوسف الحُسن توخّى دائماُ مرضاته. ثم ترقّى ليُصبح الرجل الثاني في الدولة بعد تفسيره لحلم فرعون المزعج، عن البقرات السبع، الذي لم يجد مَن يُفسّره له غير يوسف .
تنبّأ له يوسف عن خصب يعمّ البلاد طيلة سبع سنين، تليها سبع سنين من القحط، تفني الزرع والضرع. لذلك اتّخذه فرعون قيّماً (وزيراً) على بلاد مصر ليختزن الغلال فلا يموت الشعب جوعاً في السنين الماحلة. وهكذا أنقذ مصر والمنطقة من مجاعة، وفيما بعد جمع شمل عائلته الذين أتوا من أرض كنعان لشراء القمح، ولم يعرفوه في البداية، إلى أن كشف لهم عن هويّته وغفر لهم، وأحضر والده يعقوب وجميع أفراد العائلة للاستقرار في أرض مصر "أمّ الدنيا".
ويوماً رأوه جائعاً وبيده كسرة من الخبز يقضمها بأسنانه. فقالوا له: "أتجوع ؟ وبيدك خزائن الأرض؟" فأجاب يوسف: "أخاف أن أشبع ، فأنسى الجائع!".
مشاعر نبيلة يحملها ذوي القلوب الكبيرة الطيّبة.
ومن الظلم ألاّ نفكّر في البائس لسدّ حاجته. وكم من أناس يأكلون حتى التخمة؟ متناسين أنّ هناك فقراء يتضوّرون من ألم الجوع. فهل يفلت هؤلاء من عقاب الله؟ وبعضهم ينفق أموالاً طائلة في مشترى التفاهات والنوافل، مع علمه بأنّ بؤساء كثيرين لم يُبقِ منهم المرض إلاّ الجلد والعظم، لانعدام الدواء وقلّة ذات اليد... أفلا يخشون الله من قسوة قلوبهم هذه!
أضف إلى ذلك مَن يصرف المال في المحرّمات في حين أنّ عائلات تشقى، وأطفالاً يُشرّدون، ونساء تساوم على الكرامة والشرف في سبيل الرغيف. يا ويل هؤلاء من يوم الحساب: يوم الحساب يكون بلا رحمة ولا شفقة على مَن لا يعرف الشفقة. لأنّه أذا بكى الفقير أو البائس أو اليتيم، اهتزّ لبكائه عرش الله في سمائه.
من أبرز تفاصيل قصة يوسف في الكتاب المقدس: كان يوسف الابن الحادي عشر ليعقوب (والثاني من راحيل). أحبّه والده كثيرًا ممّا أثار غيرة إخوته، خاصة بعد قصة قميصه الملوّن وأحلامه التي تشير إلى سيادته عليهم. ألقاه إخوته في بئر ثم باعوه لقافلة إسماعيلية نقلته إلى مصر، حيث اشتراه "فوطيفار" قائد شرطة فرعون. نال ثقة سيده، لكن زوجة فوطيفار اتهمته زورًا بعد أن رفض إغراءها، فسُجن. في السجن، فسّر أحلام ساقي فرعون وخبّازه، وبعد عامين، استدعاه فرعون لتفسير حلم البقرات السبع، فأخبره بسبع سنوات من الشبع تليها سبع من الجوع.
خاتمة
"طوبى للرحماء لأنهم يرحمون" هي التطويبة الخامسة في عظة السيّد المسيح على الجبل (متى 5: 7)، وتعني أن السعداء حقًا هم الذين يظهرون الرحمة والشفقة تجاه الآخرين، لأنهم سيحظون برحمة الله ومغفرته في يوم الدينونة. إنّ الرحمة ليست مجرد عاطفة، بل عمل يقترن بالتوبة والصوم، ومساعدة الضعفاء والفقراء، وهو ما يجعله مقبولاً عند الله.