موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٩ فبراير / شباط ٢٠٢٦

قراءة تأملية في يوحنا 1: 12-13

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
قراءة تأملية في يوحنا 1: 12-13

قراءة تأملية في يوحنا 1: 12-13

 

قبل أيام سُئِلتُ عن معنى الآيتين اللتين وردتا في إنجيل يوحنا (1: 12-13): «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ ٱللهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ ٱللهِ».

 

هنا، سأقدّم موضوعًا هادئ النبرة، غير جدلي، بلغة تفسيرية تأملية، لا أكاديمية ثقيلة ولا وعظية مباشرة.

 

يُعد مطلع إنجيل يوحنا من أعمق النصوص اللاهوتية في العهد الجديد، إذ لا يبدأ بسرد حدث الميلاد كما في متّى ولوقا، بل يفتح أفقًا كونيًا: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ». وفي قلب هذا الاستهلال، ترد آيتان قصيرتان لكنهما بالغتا الكثافة: «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ ٱللهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ ٱللهِ». (يو 1: 12-13).

 

يُثير هذا النص سؤالًا مباشرًا:

 

من هم هؤلاء الذين «ولدوا من الله»؟ وهل يتحدث يوحنا هنا عن ولادة شبيهة بولادة يسوع المسيح نفسه؟

 

 

أولًا: سياق النص يسبق الجواب

 

قبل أن يشرح يوحنا ولادة المؤمنين، كان قد عرض رفض العالم للكلمة: «إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ» (يو 11:1). ثم تأتي الآيتان 12-13 كردٍّ على هذا الرفض، لا كوصفٍ لميلاد المسيح، بل كنتيجة لقبوله. فالنص لا يتحدث عن هوية يسوع، بل عن أثر الإيمان به في الذين قبلوه.

 

 

ثانيًا: فعل «يَصِيرُوا» مفتاح الفهم

 

يقول النص: «أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ ٱللهِ».

 

الفعل «يَصِيرُوا» (γένεσθαι) يشير بوضوح إلى انتقال من حالة إلى أخرى. أي أن هؤلاء لم يكونوا أبناء الله بهذه الصفة، ثم صاروا كذلك نتيجة قبولهم الكلمة والإيمان باسمه. هذا وحده يميّز بنوّتهم عن بنوّة المسيح، الذي لا يُقال عنه في يوحنا إنه «صار» ابنًا، بل إنه الابن الوحيد (μονογενής) منذ البدء.

 

 

ثالثًا: نفي المصادر البشرية للبنوّة

 

يستخدم يوحنا ثلاث نفيات متتالية:

· «لَيْسَ مِنْ دَمٍ»: أي ليست بنوّة عرقية أو وراثية (لا نسب إبراهيم، لا انتماء قومي)

· «وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ»: أي ليست نتاج رغبة طبيعية أو قوة بشرية

· «وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ»: أي ليست قرارًا أبويًا أو نظامًا اجتماعيًا

 

بهذا يقطع يوحنا الطريق على أي فهم يعتبر الانتماء الديني، أو النسب، أو الجهد الشخصي مصدرًا للبنوّة الإلهية.

 

ثم يضع المصدر الوحيد: «بَلْ مِنَ ٱللهِ». أي أن البنوة هنا هبة إلهية خالصة، لا واقعة بيولوجية.

 

 

رابعًا: معنى «الولادة من الله»

 

لا يتحدث يوحنا عن ولادة جسدية جديدة، بل عن تحوّل جذري في العلاقة مع الله. هذه الفكرة سيشرحها لاحقًا في حديث يسوع مع نيقوديموس: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ ٱللهِ» (يو 3:3).

 

الولادة من الله، إذًا، هي:

· ولادة روحية

· بداية حياة جديدة

· دخول في علاقة بنوّة لا تقوم على النسب بل على النعمة.

 

 

خامسًا: الفرق بين ولادة المسيح وولادة المؤمنين

 

مع أن التعبير اللغوي يبدو متشابهًا («ولادة من الله»)، إلا أن يوحنا نفسه يضع فرقًا واضحًا:

 

· يسوع هو الابن الوحيد

ولادته:

فريدة، غير مكرّرة

تجسُّدية: «ٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا» (يو 14:1)

ليست «تبنيًا» ولا «تحوّل حالة»

بل أزلية في الجوهر وزمنية في الجسد

 

· المؤمنون يصيرون أبناء

«أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ ٱللهِ»

 

· لاحظ الفعل: يصيروا γένεσθαι))، أي: لم يكونوا أولادًا، بل صاروا كذلك

ولادتهم:

روحية

أخلاقية/وجودية

علائقية (علاقة بنوّة)

 

 

سادسًا: كرامة البنوة دون تأليه

 

النص يمنح المؤمنين كرامة عظيمة: أن يُدعوا أبناء الله. لكنه في الوقت نفسه يحافظ على تفرّد الابن الوحيد. فالبنوة هنا لا تعني مساواة بالله، بل قربًا منه، ولا تعني اشتراكًا في طبيعته، بل في حياته ونعمته.

 

 

الخلاصة

 

نص يوحنا 1: 12-13 لا يساوي بين ولادة المسيح وولادة المؤمنين، بل يربط بينهما من خلال النعمة. فالمسيح هو الابن الوحيد، ومن خلال قبوله، يُمنح سلطانًا أن يصيروا أبناء. إنها بنوّة لا تُورَّث، ولا تُفرض، ولا تُنتزع، بل تُعطى لمن يؤمن، بوصفها بداية حياة جديدة «من الله».