موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قبل أسابيع كتبتُ مقالة في هذا الموقع بعنوان «ثلاث نساء تحدَّين يسوع»، تناولتُ فيه ثلاث شخصيات نسائية إنجيلية: المرأة الكنعانية، والمرأة نازفة الدم، ومريم أم يسوع في عرس قانا الجليل. كثيرون أحبّوا الفكرة، لكن بعض الأصدقاء توقفوا عند كلمة واحدة: التحدّي. كيف يمكن لإنسان أن «يتحدّى» يسوع؟ أليس في ذلك مساس بمكانته، أو إساءة غير مقصودة لشخصه؟
هذا الاعتراض مفهوم، بل صحيّ في جوهره، لأنه ينبع من غيرة صادقة على صورة المسيح. غير أن الإشكال هنا ليس لاهوتيًا بقدر ما هو لغوي ودلالي. فنحن غالبًا ما نحصر كلمة «التحدّي» في معناها الصدامي: مواجهة، تقليل شأن، محاولة كسر سلطة الآخر وهذا المعنى، بطبيعة الحال، مرفوض تمامًا في علاقتنا بيسوع، ولا يخطر أصلًا في بال أي قارئ أمين للإنجيل.
لكن السؤال الأهم هو:
هل هذا هو المعنى الوحيد للتحدّي؟
وهل الأناجيل نفسها تخلو من مشاهد يجرؤ فيها الإنسان على الاقتراب من يسوع بجرأة غير عادية، حتى حين يبدو الرد صامتًا أو قاسيًا أو مؤجلًا؟
التحدّي بمعناه الإنجيلي: ليس ضد المسيح بل من أجله
في العمق اللاهوتي، هناك فرق شاسع بين تحدّي السلطان وتحدّي الصمت، بين تحدّي الكبرياء وتحدّي الرجاء. ما نراه في الأناجيل ليس بشرًا يحاولون فرض إرادتهم على يسوع، بل بشرًا يراهنون على هويته الحقيقية حين لا تبدو ظاهرة للوهلة الأولى.
هذا النوع من التحدّي لا يقول: «يسوع! أثبت أنك قادر»، بل يقول: «أنا أعرف من أنت، ولذلك لن أتراجع».
إنه التحدّي الذي يولد من الإيمان، لا من الشك؛ من المعرفة القلبية، لا من الجهل؛
من الثقة بأن الله لا يناقض ذاته، حتى إن بدا صامتًا أو غامضًا في لحظة ما.
المرأة الكنعانية: تحدّي الحدود باسم الرحمة
المرأة الكنعانية تقف عند كل حدود الاستبعاد الممكنة:
امرأة، أم، وثنية، غريبة، تصرخ من أجل ابنتها.
يسوع يصمت. ليس ضعفًا، ولا ازدراءً بها أو إهانة لها. التلاميذ يتضايقون؟
ثم يأتي القول الصادم: «لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ».
لاهوتيًا، هذا اختبار للحدود بين الخاص والعام، بين الاختيار والخلاص الشامل. لكن المرأة لا تدخل في نقاش نظري. هي لا تطلب تفسيرًا، بل خلاصًا. وعندما تسمع تشبيه «الكلاب»، لا تفهمه كإهانة نهائية، بل كنقطة دخول. هنا يكمن التحدّي:
أن ترفض أن تكون الكلمة القاسية هي الكلمة الأخيرة عن الله.
ردّها ليس تمرّدًا، بل قراءة لاهوتية أعمق من ظاهر الكلام:
«نَعَمْ، يا سَيِّدُ! وَٱلْكِلَابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ ٱلْفُتَاتِ ٱلَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!». حتى الفتات من مائدة الله يحمل قوة الخلاص.
وهنا يعترف يسوع بعظمة إيمانها.
إنها لم تتحدَّ يسوع، بل تحدّت الفكرة القائلة إن الرحمة يمكن أن تُحاصَر.
المرأة نازفة الدم: تحدّي النجاسة بمنطق التجسّد
هذه المرأة لا تتكلم، لكن فعلها يتكلم لاهوتيًا بصوتٍ عالٍ.
بحسب الشريعة، جسدها مصدر نجاسة. بحسب المجتمع، وجودها عبء.
لكن بحسب إيمانها، يسوع ليس إلهًا يُدنَّس، بل إله يُقدَّس.
تلمس الثوب، لا بدافع الجرأة الجسدية، بل بدافع يقين داخلي بأن قداسة المسيح أقوى من هشاشاتها. هنا يتجلى لاهوت التجسّد: الله الذي لا يخاف من اللمس، ولا يهرب من الجسد، ولا يتراجع أمام الألم البشري.
عندما يقول يسوع: «إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ»، فهو يعلن أن التحدّي الحقيقي لم يكن اللمس، بل الثقة بأن الله لا ينغلق أمام الجرح.
مريم في قانا: تحدّي الزمن بثقة الأم
في قانا، لا تطلب مريم معجزة، بل تشير إلى نقص. ردّ يسوع يبدو فاصلًا: «لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ».
لكن مريم تتصرّف كما لو أن الساعة قادمة.
لاهوتيًا، هذا مشهد بالغ العمق: الساعة، في إنجيل يوحنا، مرتبطة بالصليب والمجد.
ومريم، دون أن تنقض كلام يسوع، تثق بأن المحبة تستطيع أن تستدعي الزمن.
قولها للخدّام «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَٱفْعَلُوهُ» هو تحدّي من نوع خاص:
تحدّي الثقة الكاملة التي لا تحتاج إلى ضمانات لفظية.
مريم لا تتحدّى يسوع لتغيّر رأيه، بل تتصرّف وكأن القرار قد اتُخذ بالفعل.
إنها تراهن على أن «الساعة» قد تأتي لأن المحبة حاضرة، لا لأن الزمن اكتمل.
خلاصة لاهوتية: التحدّي الذي يسّر قلب الله
لا أحد يريد، ولا يفكّر أصلًا، في تحدّي يسوع بمعنى الصدام أو التقليل من شأنه. لكن الأناجيل تعلّمنا أن هناك نوعًا من الجرأة يستقبله الله بفرح: جرأة الإيمان الذي لا يستسلم للصمت، ولا يتراجع أمام الاختبار، ولا يكتفي بقراءة سطحية للكلام.
هذا ليس تحديًا ليسوع، بل تحدي لكل صورة صغيرة عنه.
لذلك، هؤلاء النساء لم يتحدّين يسوع ضده، بل تحدّين كل تصوّر مختلف عنه.
لم يتحدّين سلطان يسوع، بل راهنّ عليه... وربحن.
إن أعظم إيمان هو ذاك الذي يجرؤ أن يقول، حتى في العتمة:
«أنا أعرف قلبك... ولذلك أنتظر».
وإن كان لا بد من كلمة أخيرة، فهي هذه:
الله لا ينزعج من الإيمان الجريء، بل ينكشف فيه.